ابن أبي أصيبعة

40

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

المنطق خاصة بأكبر عناية حتى قال الغزالي حجة الإسلام وأكبر أعداء الفلسفة - أن منهج البحث في العلوم الفقهية لا يختلف عن منهج البحث في الأمور العقلية - وإن بلغت معارضة المنطق أوجها بعده في القرن السابع الهجري في فتوى ابن الصلاح الشهرزوري بوجه أخص - حين حرم في فتواه الدينية الاشتغال بالفلسفة والمنطق تعليما وتعلما . والحق أن الترجمة ساعدت على بروز الاتجاه العقلي بوضوح في الفكر الإسلامي . وكان عصر الترجمة - كما يقول الدكتور أحمد سعيد الدمرداش « 1 » القوة الدافعة للمذهب العقلي ، وذلك أنه ربط العربية بالمجرى العام للفكر الإنسانى ، ومكن المتكلمين بها من الوقوف على آراء الأقدمين في مشكلات الوجود الكبرى ، وطرق حلها ، ومن هنا نشأ التفاعل بين الفكر العلمي العربي والفكر الأجنبي الدخيل ، والتفاعل مادة نضج الفكر ، وبناء الشخصية القوية المستقلة التي تأبى الإذعان لغير منطق العقل . وقسم الأستاذ سنتلانا في « محاضراته » الحقبة التي ترجمت فيها الكتب اليونانية إلى العربية ثلاثة أدوار « 2 » . الدور الأول : ويبدأ من عصر أبى جعفر المنصور سنة 136 ه وينتهى بعصر هارون الرشيد سنة 193 ه « 3 » .

--> - 3 - اتجاه الأفلاطونى المحدث : وهو أقوى الاتجاهات اليونانية أو - الهلينية تأثيرا لقربه من فكرة التوحيد والخلق في الأديان الثلاثة بحسب رأى متكلميهم ، ( الخلق من عدم محض ) . ويمثل هذا الاتجاه الأفلوطينى غالبية مشهوري الفلاسفة المسلمين مثل الفارابي وابن سينا ومسكويه وبعض الإشراقيين مثل السهروردي ومحى الدين بن عربى وابن سبعين وعند هؤلاء أبدع اللّه العالم ليس من مادة قديمة ، بل على سبيل الفيض وهذا الفيض أزلي ، فعالم قديم الزمان ، محدث بالذات وهو يرون الخلود الفردى بالنفس والروح فقط . 4 - الاتجاه الفيثاغورى : ممزوجا بالفيض مع بعض العناصر الأرسطية والغنوصية ويتمثل هذا في أخوان الصفا . - الاتجاه الكلامي العقلي : ممزوجا بالذرية عند الأشاعرة ومعظم المعتزلة وبدونها عند الكندي والنظام وآخرين ، وهؤلاء يرون اللّه خلق العالم من لا شئ ، لا على سبيل الفيض وليس منذ الأزل ، بل في زمن مخصوص له بداية بمقتضى إرادة اللّه ويمثل هذا أيضا الغزالي في كتبه الكلامية وغالبية المتكلمين . [ بحث الدكتور حسام الآلوسي بعالم الفكر عدد يوليو - سبتمبر 1975 ص 157 ، 158 ] ( 1 ) في كتاب تاريخ العلوم عند العرب ص 10 ، 11 باختصار . ( 2 ) نقلا عن كتاب تاريخ الفرق الإسلامية ونشأة علم الكلام عند المسلمين للدكتور على مصطفى الغرابى ص 14 و 145 . ( 3 ) كان من بين تراجمة هذا الدور يحيى بن البطريق الذي كان في عهد المنصور ، وجورجيس بن جبرائيل الطبيب عاش حتى سنة 148 ه ، وتيادورس وسلام الأبرش الذي كان في أيام البرامكة ، وسامسيل المطران ، وعبد اللّه بن المقفع مات سنة 142 ه وقيل سنة 148 ه ، ويوحنا بن ماسويه الذي كان نصرانيا سريانيا في أيام هارون الرشيد ، وخدم الرشيد والأمين والمأمون ومن بعدهم من الخلفاء إلى أيام المتوكل . -