ابن أبي أصيبعة

388

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ويميز موضع دائه ، ويحترز عن الأدواء كلها بحسن سياسته لنفسه . قال كسرى : فكيف تعرف ما تورده عليها ؟ ولو عرفت الحلم لم تنسب إلى الجهل ؟ قال : الطفل يناغى « 1 » فيداوى ، والحية ترقى [ فتحاوى ] « 2 » . ثم قال : أيها الملك ! العقل من قسم اللّه تعالى . قسّمه بين عباده كقسمة الرزق بينهم . فكلّ من قسمته أصاب وخص بها قوم وزاد ، فمنهم مثر « 3 » ومعدم ، وجاهل وعالم ، وعاجز وحازم وذلك بتقدير العزيز العليم « 4 » . فأعجب كسرى من كلامه ، ثم قال : فما الذي بحمد من أحلاقها من مذاهبها وسجاياها « 5 » ؟ قال الحارث : أيها الملك ! لها أنفس سخية ، وقلوب جرية ، ولغة فصيحة ، وألسن بليغة ، وأنساب صحيحة ، وأحساب شريفة . يمرق من أفواههم الكلام مروق السهم من نبعة الرام ، [ أعذب ] « 6 » من هواء الربيع [ وألين من ] « 7 » سلسبيل المعين . مطعمو الطعام في الجدب ، وضاربوا [ الهام ] « 8 » في الحرب ، لا يرام غرهم ، ولا يضام جارهم ، ولا يستباح حريمهم ، ولا يذل كريمهم « 9 » . ولا يقرون بفضل للأنام إلا للملك الهمام ، الذي لا يقاس به أحد ، ولا [ توازنه ] « 10 » سوقة ولا ملك . قال : فاستوى كسرى جالسا ، وجرى ماء رياضة الحلم في وجهه لما سمع من حكم ؟ ؟ ؟ كلامه . وقال لجلسائه : إنّي وجدته راجحا ، ولقومه مادحا ، وبفضيلتهم ناطقا ، وبما يورده من لفظه صادقا . وكذا العاقل من أحكمته التجارب . ثم أمره بالجلوس فجلس . فقال : كيف بصرك بالطب ؟ قال : ناهيك ! قال : فما أصل الطب ؟ قال : الأزم . قال : فما الأزم ؟ قال : ضبط الشفتين ، والرفق باليدين . قال : أصبت ! قال :

--> ( 1 ) يناغى ، ناغى الصبى : لاطفه بالمحادثة والملاعبة . [ المعجم الوسيط ، ج 2 ص 937 ] . ( 2 ) في أ « فتداوى » . ( 3 ) في ج ، د « موسر » . ( 4 ) في ك « الحليم » . ( 5 ) في ك « سخائها » . ( 6 ) في أ « أرق » . ( 7 ) في أ « وأعذب » . ( 8 ) في أ « الخيام » . ( 9 ) في ك « كرمهم » ، م « أكرمهم » . ( 10 ) في أ ، ج ، د « يوازيه » ، والمثبت من ك . م .