ابن أبي أصيبعة
337
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
القرحة ، في وقت ما كان الوسخ . كثيرا فيها ، وإنبات اللحم فيها في وقت ما كانت عميقة ، واندمالها في وقت ما امتلأت . ولست أخلو في يوم من الأيام ، من أن أتبين من مبلغ الخدمة بهذه الصناعة ، ما هذا مقداره في العظم أو شبيه به . وأكثر من يرى هذا من الأطباء لا يعلم أين هو مكتوب ، فضلا عما سوى ذلك . وبعضهم إذا رأى ذلك ، لقبنى البديع الفعل « 1 » ، وبعضهم البديع القول . مثل قوم من « كبار الأطباء برومية » « 2 » ، حضرتهم في أول دخلة دخلتها ، عند فتى محموم وهم يتناظرون في فصده ، ويختصمون في ذلك . فلما أن طال كلامهم . قلت لهم : إن خصومتكم فضل ، والطبيعة عن قريب ستفجر عرقا ، ويستفرغ من المنخرين الدم الفاضل في بدن هذا الفتى . فلم يلبثوا أن رأوا ذلك عيانا ، فبهتوا في ذلك الوقت ، ولزموا الصمت ، وأكسبنى ذلك من قلوبهم البغضة ، ولقبونى البديع القول « 3 » . وحضرت مرة أخرى مريضا ، وقد ظهرت فيه علامات بيّنة تدل جدا علة الرعاف . فلم أكتف بأن أنذرت بالرعاف ، حتى قلت أنه يكون من الجانب الأيمن ، فلامنى من حضر ذلك من الأطباء ، وقالوا : حسبنا ، ليس بنا حاجة إلى أن تبيّن « 4 » لنا . فقلت لهم : وأراكم « 5 » مع ذلك أنكم عن قريب سيكثر اضطرابكم ويشتد وجلكم من الرعاف الحادث ، لأنه سيعسر احتباسه « 6 » . وذلك أنى لست أرى طبيعته تقوى على ضبط المقدار الذي يحتاج إليه من الاستفراغ ، والوقوف عنده . فكان الأمر على ما وصفته ، ولم يقدر أولئك الأطباء على حبس الدم ، لأنهم لم يعلموا من أين ابتدأ حين [ ابتدأت حركته ] « 7 » وقطعته أنا بأهون [ التعب ] « 8 » فسماني أولئك الأطباء « 9 » البديع [ الفصل ] « 10 » . وحكى أيضا من هذا الجنس مما يدل على براعته وقوته في صناعة الطب ، في كتابه هذا ما هذه حكايته :
--> ( 1 ) في ج ، د « العقل » . ( 2 ) في ج ، د « أطباء كبار رومية » . ( 3 ) في ج ، د « العقل » . ( 4 ) في ج ، د « يتبين » . ( 5 ) في ج ، د « لو أراكم » . ( 6 ) ساقط في طبعة مولر . ( 7 ) في الأصل « ابتدأ » . والمثبت من ج ، د . ( 8 ) في الأصل ، ج ، د « الشئ » ، والمثبت من م . ( 9 ) ساقط في ج ، د . ( 10 ) في الأصل ، ج ، د « المفضل » والمثبت من م .