ابن أبي أصيبعة
323
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
فعمّ من معي وفضل كثير . فأقمت في ذلك الموضع ، فطعمت فيه ، ومضى « 1 » فتيان الجند وأغاروا على مواضع خمور الروم ولحومهم ، فأكلوا اللحوم كبابا بالخبز وشربوا عليه الخمر . وانصرفت في آخر النهار . فسأله أبو إسحاق : هل تبين في رسم [ منزل ] « 2 » جالينوس ما يدل على أنه كان له شرف ؟ فقال له : أما الرسم فكثير . ورأيت له أبياتا شرقية وأبياتا غربية وأبياتا قبلية ، ولم أر له بيتا فراتيا « 3 » . وكذلك كانت فلاسفة الروم تجعل بيوتها ، وكذلك كانت ترى عظماء فارس ، وكذلك أرى أنا إذا صدقت نفسي وعملت « 4 » بما يجب ، لأن كل بيت لا تدخله الشمس يكون وبيئا . وإنما كان جالينوس على حكمته خادما لملوك الروم ، وملوك الروم أهل قصد « 5 » في جميع أمورهم . فإذا قست منزل جالينوس إلى منازل الروم ، رأيت من كبر خطته وكثرة [ بيوته ] « 6 » ، وإن كنت « 7 » لم أرها إلا خرابا ، على أنى قد وجدت فيها أبياتا مسقفة ، استدللت على أنه كان ذا مروءة . فسكت عنه أبو إسحاق . فقلت : يا أبا عيسى ، إن ملوك الروم على ما وصفت في القصد ، وليس قصدهم في هباتهم « 8 » وعطاياهم إلا مثل « 9 » قصدهم في مروءات أنفسهم ، فالنقص يدخل الخادم والمخدوم . فإذا نظرت إلى موضع قصر ملك الروم « 10 » وموضع جالينوس ، ثم نظرت إلى قصر أمير المؤمنين ومنزلك ، يكون نسبة منزل جالينوس إلى منزل ملك الروم مثل نسبة منزلك إلى منزل أمير المؤمنين . وكان جبريل أحيانا يعجب منى « لكثرة الاستقصاء » « 11 » في السؤال ، ويمدحنى به عند أبي إسحاق . وأحيانا يغضب منه « 12 » حتى يكاد أن يطير غيظا . فقال لي : وما معنى ذكرك النسبة ؟ فقلت له : أردت بذكر النسبة أنها لفظة يتكلم فيها حكماء الروم ، وأنت رئيس تلامذة أولئك الحكماء . فأردت التقرب إليك بمخاطبتك بألفاظ أستاذيك .
--> ( 1 ) في ج ، د « ومضت » . ( 2 ) ساقط في الأصل . والإضافة من ج ، د . ( 3 ) في ج ، د « فردانيا » . ( 4 ) ساقط في ج ، د . ( 5 ) في ج ، د « صدق » . ( 6 ) في الأصل « بنوته » والمثبت من ج ، د . ( 7 ) في ج ، د « كنت » . ( 8 ) في ج ، د « هيئتهم » . ( 9 ) ساقط في طبعة مولر . ( 10 ) في ج ، د زيادة « وموضع ملك الروم » . ( 11 ) في ج ، د « بكثرة استقصائى » . ( 12 ) في ج ، د « منى » .