ابن أبي أصيبعة

28

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

وتعد كتابات جالينوس في رأى الدكتور غليونجى البلورة التي تجمد فيها الطب القديم ويقول « 1 » : إن هذا العالم الجبار شيد من الطب بناء متكاملا متناسقا يتفق من جهة مع الفلسفة الراوقية الذي كان ينتمى إليها ، ومن جهة أخرى مع النظرية الغائية Teleeological إلى الكون التي ترى أن الطبيعة كلها حكمة ، وأن كل جزء من الجسم خلق لغرض حدد له سلفا وأن هنالك علاقة كاملة بين السبب والغرض تقوم دليلا قاطعا على كمال الطبيعة . وقد قامت شهرة جالينوس على أسس راسخة من الجدارة وكانت تعاليمه مبنية على كنز من المعلومات التي استنبطها من تشريح الحيوان والأجنة وتفحص الجرحى وملاحظة المرضى ، وله من الكشوف الأخرى ما يبعث أشد الدهشة والإعجاب . إلا أن اتجاهه الفلسفي أضر بنتائجه العلمية ، إذ أنه نتيجة لآرائه السابقة للتجربة ، أخذ يواصل البحث عن البرهان عليها ، وكان يخضع نتائج تجاربه لها فزعم لتدعيمها من المزاعم ما ليس له أساس من الواقع مثال قوله : إن الأعصاب جوفاء لدى الأحياء وتتصلب بعد الموت ، وأن هناك منفذا بين بطينى القلب ، وأن الرحم له قرنان ، الأيمن لتكوين الذكور والأيسر لتكوين الإناث ، إلخ . وقد نظر جالينوس إلى الروح على أنها أساس الحياة وإلى أن الجسم أداة الروح ومن هنا فإن تعاليمه وجدت صدى عجيبا لدى رجال الدين الكنسى لأنها كانت تساير عقائدهم ، ولذلك فإن تعاليمه لاقت مساندة قوية ونفوذا عظيما ردحا طويلا من الزمن ، كما أن اعتقاده في اللّه ووجوده لاقت تقديرا من المسلمين فيما بعد . وقد ترجم حنين بن إسحاق بعض مصنفات جالينوس وغيره إلى لغتنا العربية . يقول الدكتور فهيم أبادير « 2 » . وبحوث جالينوس وغيره من نوابغ الطب الإغريقى . شعاع مضىء في عالم الطب ، ثم تدهور الطب حتى أصبح معظم الأطباء جهلة لا يبغون من صناعتهم سوى ابتزاز المال ، وأصبحوا تجارا للمراهم واللبخ وجرعات الحب والقتل ، وانتهى بسقوط الإمبراطورية الرومانية في أيدي البربر في القرن الخامس الميلادي .

--> ( 1 ) غليونجى ، بول ، ابن النفيس : ص 38 : 40 باختصار . ( 2 ) أبادير ، فهيم ، من تاريخ الطب عند العرب : ص 19 .