ابن أبي أصيبعة

276

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

أرسطاطاليس لما بلغ ثمان سنين ، حمله أبوه إلى بلاد أثينية وهي المعروفة ببلاد الحكماء ، وأقام في لوقين منها فضمه [ أبوه إلى ] « 1 » الشعراء والبلغاء والنحويين ، فأقام متعلما منهم تسع سنين . وكان اسم هذا [ العلم ] « 2 » عندهم « المحيط » ، أعنى علم اللسان ، لحاجة جميع الناس إليه ، لأنه [ الأذاة ] « 3 » والمراقى إلى كل حكمة وفضيلة ، والبيان الذي يتحصل به كل علم . وإن قوما من الحكماء [ أزروا ] « 4 » بعلم البلغاء واللغويين « 5 » والنحويين وعنفوا المتشاغلين به ، منهم : افيقورس وفوثيغورس . وزعموا أنه [ لا ] « 6 » يحتاج إلى علمهم في شئ من الحكمة ، لأن النحويين معلموا الصبيان ، والشعراء أصحاب أباطيل وكذب ، والبلغاء أصحاب تمحل ومحاباة ومراء . فلما بلغ أرسطوطاليس ذلك [ أدركته الحفيظة ] « 7 » لهم ، فناضل عن النحويين والشعراء والبلغاء ، واحتج عنهم وقال : إنه لا غنى للحكمة عن علمهم ، لأن المنطق أداة لعلمهم . وقال : إن فضل الإنسان على البهائم بالمنطق ، فأحقهم بالإنسية أبلغهم في منطقه ، وأوصلهم إلى عبارة ذات نفسه ، [ وأوضعهم ] « 8 » لمنطقه في موضعه ، وأحسنهم اختيارا « لأوجزه وأعذبه » « 9 » . ولأن الحكمة أشرف الأشياء ، فينبغي أن تكون العبارة عنها بأحكم « المنطق وأفصح » « 10 » اللهجة ، وأوجز اللفظ الأبعد من الدّخل « 11 » والزلل ، وسماجة المنطق وفتح اللكنة والعى ، فإن ذلك يذهب بنور الحكمة ويقطع عن الأداء ويقصر عن الحاجة ويلبس على المستمع ويفسد المعاني فيورث الشبهة . فلما استكمل علم الشعراء والنحويين والبلغاء واستوعبه ، قصد إلى العلوم الأخلاقية « 12 » والسياسية والطبيعية والتعليمية والإلهية ، وانقطع إلى أفلاطون وصار تلميذا له ومتعلما منه وله يومئذ سبع عشرة سنة .

--> ( 1 ) في الأصل « أبو » والإضافة من ج ، د . ( 2 ) في الأصل ، ج ، د « المعلم » . والتصحيح من سياق الجملة بعده . ( 3 ) في الأصل ج ، د ، « الدواء » . والمثبت من م ، « مختار الحكم » . ( 4 ) في الأصل « ازدروا » والمثبت من ج ، د . ( 5 ) ساقط في ج ، د . ( 6 ) ساقط في الأصل ، والإضافة من ج ، د . ( 7 ) في الأصل « أدركه الحفظة » والمثبت من ج ، د . ( 8 ) في الأصب « وأوصلهم » . والمثبت من ج ، د . ( 9 ) في ج ، د « الأوجز وأعذبهم » . ( 10 ) في ج ، د « النطق وأحسن » ( 11 ) في الأصل « المدخل » والمثبت من ج ، د . ( 12 ) في ج ، د « الاختلاقية » .