ابن أبي أصيبعة
253
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
من الاجتهاد في إصلاح أنفسكم ، فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سررتمونى وسررتم كل من هو منى بسبيل . ثم سكت مليا وسكتت الجماعة . وأقبل خادم الأحد عشر قاضيا ، فقال : يا سقراط ! إنك جرىء مع ما أراه منك ، وإنك تعلم أنى لست علة موتك ، وأن علة موتك القضاة الأحد عشر وأنا مأمور بذلك مضطر إليه ، وإنك لأفضل من جميع من صار إلى هذا الموضع ، فاشرب الدواء بطيبة نفس ، واصبر على الاضطرار اللازم ، ثم ذرفت عيناه وانصرف . فقال سقراط : نفعل ، وليس أنت بملوم . ثم سكت هنيهة ، والتفت إلى أقريطون فقال : مر الرجل أن يأتيني بشربة موتى . فقال للغلام : ادع الرجل . فدعاه ، فدخل « 1 » ومعه الشربة ، فتناولها منه فشربها . فلما رأوه قد شربها ، [ غلبهم من ] « 2 » البكاء والأسف ما لم يملكوا معه أنفسهم ، فعلت أصواتهم بالبكاء ، فأقبل عليهم سقراط يلومهم ويعظهم ، وقال : إنما صرفنا النساء لئلا يكون منهم مثل هذا . فأمسكوا استحياء منه ، وقصدا للطاعة له على مضض شديد منهم في فقد مثله . وأخذ سقراط في المشي [ والتردد ] « 3 » هنيهة ، ثم قال للخادم : قد ثقلت رجلاى علىّ . فقال له : استلق . فاستلقى ، وجعل الغلام يجس رجليه ويغمزها ، ويقول له : هل تحس غمزى لهما ؟ قال : لا ! ثم غمزها غمزا شديدا ، فقال : هل تحس ؟ فقال : لا ! ثم غمز ساقيه ، وجعل يسأله ساعة بعد ساعة ، وهو يقول : لا . وأخذ يحمد [ اللّه تعالى ] « 4 » أولا فأولا ويشتد برده ، حتى . انتهى ذلك إلى حقويه « 5 » . فقال الخادم لنا : إذا انتهى البرد إلى قلبه مضى . وقال أقريطون : يا إمام الحكمة ما أرى عقولنا إلا أن تبعد عن عقلك ، فاعهد لنا . فقال : عليكم بما أمرتكم به أولا . ثم مد يده إلى يد أقريطون . فوضعها على خده « 6 » . وقال : أسلمت نفسي إلى قابض أنفس الحكماء ، فمات . فأطبق أقريطون عينيه وشد لحييه . ولم يكن أفلاطون حاضرا معهم لأنه كان مريضا . وذكر أن سقراط هلك عن اثنى عشر ألف تلميذ « وتلميذ تلميذ » « 7 » .
--> ( 1 ) ساقط في ج ، د . ( 2 ) في الأصل « غلب عليهم » والمثبت من ج ، د . ( 3 ) في الأصل « والتودد » والمثبت من ج ، د . ( 4 ) ساقط في الأصل ، ج ، د . والمثبت من « مختار الحكم » ص 90 . ( 5 ) حقويه : الحقو ، الخصر . وحقو الجبل ، سفحه . والجمع أحقاء . [ المعجم الوسيط ج 1 ص 189 ] ( 6 ) في م ، طبعة مولر زيادة نصها : « فقال له : مرني بما تحب . فلم يجبه بشئ . ثم شخص ببصره » . وكذا هذه الزيادة في « مختار الحكم » وساقطة في الأصل ، ج ، د . ( 7 ) ساقط في ج ، د .