ابن أبي أصيبعة

250

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

الناس على البر وفعل الخيرات ، وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن الفواحش والمنكرات في بقية من أهل زمانه . ولم يقصد « استكمال صواب » « 1 » التدبير ، لعلمه بأنهم لا [ يقبلون ] « 2 » ذلك منه . فلما علم الرؤساء في وقته من الكهنة والأراكنة « 3 » ما رامه من دعوته ، وأن رأيه نفى الأصنام ورد الناس من عبادتها ، شهدوا عليه بوجوب القتل . وكان الموجبون عليه القتل قضاة أثينس الأحد عشر . وسقى السم الذي يقال له قونيون ، لأن الملك لمّا أوجب « 4 » القضاة عليه القتل ، ساءه ذلك ، ولم يمكنه مخالفتهم . فقال له : اختر أىّ قتلة شئت ؟ فقال له : بالسم . فأجابه إلى ذلك . والذي أخر قتل سقراط شهورا بعد ما أوجبوه عليه منه ، أن المركب الذي كان يبعث به في كل سنة إلى هيكل أفولون ، ويحمل إليه فيه ما يحمل ، عرض له حبس شديد لتعذر الرياح فأبطأ شهورا . وكان من عادتهم أن لا يراق دم ولا غيره حتى يرجع المركب من الهيكل إلى أثينس . وكان أصحابه يختلفون إليه في الحبس طول المدة « 5 » ، فدخلوا إليه يوما ، فقال له أقريطون « 6 » منهم : إن المركب داخل غدا أو بعد غد ، وقد اجتهدنا في أن ندفع عنك مالا إلى هؤلاء القوم ، ونخرج سرا فنصير إلى رومية ، فتقيم بها حيث لا سبيل لهم عليك . فقال له : تعلم أنه لا يبلغ ملكي أربعمائة درهم . فقال له أقريطون : لم أقل لك هذا القول على أن تغرم شيئا ، لأنا نعلم أنه ليس في وسعك ما سأل القوم ؛ ولكن في أموالنا سعة لذلك وأضعافه ، وأنفسنا طيبة [ بأدائه ] « 7 » لنجاتك وأن لا نفجع بك « 8 » . قال سقراط : يا أقريطون ! هذا البلد الذي فعل بي فيه ما فعل هو بلدي وبلد جنسي ، وقد نالني فيه ما رأيت من جنسي ، وأوجب على فيه القتل ، ولم يوجب علىّ ذلك لأمر « استحققته بل لمخالفتى » « 9 » الجور وطعنى على الأفعال الجائرة وأهلها ، من كفرهم

--> ( 1 ) في ج ، د تقديم وتأخير . ( 2 ) في الأصل « يتعلمون » والمثبت من ج ، د . ( 3 ) انظر ما سبق أن ذكرناه عن الأراكتة ص 237 . ( 4 ) في ج ، د « وجب » . ( 5 ) في طبعة مولر « تلك المدة » . ( 6 ) أقريطون : قال عنه ابن النديم : معروف باسم المزيّن ، وكان قبل جالينوس وبعد بقراط . وله من الكتب « كتاب الزينة » . [ ابن النديم ، الفهرست ص 408 ] ( 7 ) في الأصل « به » والمثبت من ج ، د . ( 8 ) في ج ، د « قيك » . ( 9 ) في ج ، د « استحق بل بمخالفة » .