ابن أبي أصيبعة
179
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
فيرعاه ، و « ما لا » « 1 » يوافقه فيتركه ، مع [ نهمه ] « 2 » وكثرة أكله وبلادة / ذهنه . ومثل هذا كثير . فإذا كانت الحيوانات التي لا عقول لها ألهمت مصالحها ومنافعها ، كان الإنسان العاقل المميز المكلف « 3 » ، الذي هو أفضل من الحيوان ، أولى بذلك . وهذا أكبر حجة لمن يعتقد أن الطب إنما هو « 4 » إلهام وهداية من اللّه سبحانه لخلقه . وبالجملة ، فإنه قد يكون من هذا ، ومما وقع بالتجربة والاتفاق والمصادفة أكثر مما حصلوه من هذه الصناعة ، ثم تكاثر ذلك بينهم ، وعضده القياس بحسب ما شاهدوه وأدتهم إليه فطرتهم « 5 » . فاجتمع لهم من جميع تلك الأجزاء ، التي حصلت لهم بهذه الطرق المتفننة « 6 » المختلفة ، أشياء كثيرة ، ثم إنهم تأملوا تلك الأشياء ، واستخرجوا عللها والمناسبات التي بينها ، فتحصل لهم من [ ذلك ] « 7 » قوانين كلية ومبادئ ، منها يبتدئ « 8 » بالتعلم والتعليم وإلى ما أدركوه منها أولا ينتهى . فعند الكمال يتدرج في التعليم من الكليات إلى الجزئيات ، وعند استنباطها يتدرج من الجزئيات إلى الكليات . وأقول أيضا ، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل ، أنه ليس يلزم أن يكون أول هذا مختصا بموضع دون موضع ، ولا يفرد به قوم دون آخرين ، إلا بحسب الأكثر والأقل ، وبحسب تنوع المداواة . ولهذا فإن كل قوم هم مصطلحون على أدوية [ يألفونها ] « 9 » ويتداوون بها . وأرى أنهم إنما اختلفوا في نسبة صناعة الطب إلى قوم ، بحسب ما قد كان يتجدد عند قوم فينسب إليهم . فإنه يمكن أن تكون صناعة الطب في أمة أو في بقعة من الأرض ، فتدثر وتبيد بأسباب « سماوية وأرضية » ، كالطواعين المفنية ، والقحوط المجلية « 10 » ، والحروب المبيدة ، والملوك المتغلبة « 11 » ، والسير المخالفة .
--> ( 1 ) في ج ، د « من لا » . ( 2 ) في الأصل « بهمة » والمثبت من ج ، د . ( 3 ) في ج ، د « إنما هو » . ( 4 ) ساقطة في ج ، د . ( 5 ) في ج ، د « نظرهم » . ( 6 ) في ج ، د « المتفقة » . ( 7 ) ساقط في الأصل ، والإضافة من ج ، د . ( 8 ) في ج ، د « مبتدأ » . ( 9 ) في الأصل « مؤلفونها » والمثبت من ج ، د . ( 10 ) في ج ، د « المخلية » . ( 11 ) في ج ، د « المنقلبة » .