ابن أبي أصيبعة

17

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

البرونزى وأخطأ في استعماله تقطع يده ، وإذا تقاضى أجره أكثر مما يستحق يعاقب بالحبس ولقد نظمت شريعة حمورابي أسعار الخدمات الطبية وأجور الأطباء وفرضت كذلك عقوبة على الحاضنات والمراضع اللاتي يهملن العناية بالرضع . . . وقد عرف أطباء بابل التشريح معرفة جيدة واهتموا بدراسة كبد الإنسان لظنهم أنه رئيس جميع الأعضاء وأنه مركز العاطفة ، كما أن القلب عندهم كان مركز العقل . . . وكان في وادى الرافدين ثلاثة مذاهب للمعالجة : المعالجة بالنصح ( الطب الوقائي ) ، والمعالجة بتشخيص المرض « 1 » ووصف الأدوية النباتية والحيوانية والمعدنية ، والطب المزاجى ( الطبيعي ) ، والمعالجة بالسحر والطلاسم ( الطب النفسي ) ، وقد نفر الأطباء من تناول المسكرات وعالجوا بالمس ، وعرفوا الجراحة واستخدموا الحشيش والأفيون للتخدير عند اجراء العمليات . وكان أهل المريض إذا عجز الأطباء عن مداواة مريضهم - يضعونه في الأماكن العامة رجاء أن يمر به من كان قد أصيب بمثل ما به فيصف له العلاج الذي كان قد شفاه . فروخ ، عمر ، . . ومن أغرب ما كان يتبع في العلاج « 2 » « أن الساحر بعد أن يسيطر على الروح المؤثرة في المرض يحولها إلى مادة محسة ثم يقضى عليها ، كأن يحوّلها إلى إناء به ماء ثم يكسر الإناء أمام المريض فيراق ما به من ماء أو يحولها إلى تمثال من الخزف يربط بجسم المريض ثم يرفع عنه ومما كان يتبع في علاج عقدة اللسان أو التواء الأمعاء أن يؤتى بحبل عقدت فيه عدة عقد ثم يحلها الساحر واحدة واحدة وهو يتمتم تمتماته التي نعهدها في المشعوذين . وقد برع البابليون في التنجيم وكانت لهم فيه الأسبقية واعتقدوا أن لحركات الشمس والقمر والنجوم تأثيرا في حياة بنى الإنسان ولذا كانوا في ذلك أساتذة اليونانيين واضعي علم الفلك وأساتذة أطباء العقول الذين قالوا بوجود علاقة بين المرض العقلي وحركات الأفلاك وفي مقدمتهم باراسيلوس ( 1493 - 1541 م ) الذي قرر أن الطبيب الذي لا علم له بعلم الفلك لا يستطيع أن يعرف أسباب الأمراض ولا طرائق علاجها . وأن الحياة كلها صدرت عن الكواكب وأن الشمس هي المسيطرة على الرأس والقمر هو المسيطر على المخ والمشترى هو المسيطر على الكبد وزحل هو المسيطر على الرئتين والمريخ هو المسيطر على الصفراء والزهرة هي المسيطرة على الظهر وأن للمغناطيس تأثيرا في معالجة الأمراض .

--> ( 1 ) فروخ ، عمر ، تاريخ العلوم عند العرب ص 84 . ( 2 ) عبد القادر ، حامد ، العلاج النفساني : ص 17 وص 18 .