ابن أبي أصيبعة

164

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

أقول : وإنما نقلنا هذه الآراء التي تقدم ذكرها على اختلافها وتنوعها لكون مقصدنا حينئذ أن نذكر جل ما ذهب إليه كل فريق . ولما كان الخلف والتباين في هذا على ما ترى ، صار « طلب أوله » « 1 » عسرا جدا . إلا أن الإنسان العاقل إذا فكر في ذلك بحسب معقوله ، فإنه يجد صناعة الطب لا يبعد أن تكون أوائلها قد تحصلت من هذه الأشياء التي تقدمت أو من أكثرها . وذلك أنا نقول : إن صناعة الطب أمر ضروري للناس ، منوطة بهم حيث وجدوا ، ومتى وجدوا ، إلا أنها قد [ تختلف ] « 2 » عندهم بحسب [ المواضع ] « 3 » وكثرة التغذى وقوة التمييز . فتكون الحاجة إليها أمس عند قوم دون قوم . وذلك أنه لما كانت « 4 » بعض النواحي ، قد يعرض فيها كثيرا أمراض ما لأهل تلك الناحية ، وخصوصا كلما كانوا أكثر تنوعا إلى الأغذية ، وهم أدوم أكلا للفواكه ، فإن أبدانهم تبقى متهيئة للأمراض ، وربما لم يفلت منهم أحد في سائر أوقاته من مرض يعتريه . فيكون أمثال هؤلاء مضطرين إلى الصناعة الطبية أكثر من غيرهم ، ممن هم في [ نواحي ] « 5 » أصح هواء ، وأغذيتهم أقل تنوعا ، وهم مع ذلك قليلو الاغتذاء بما عندهم . ثم إن الناس أيضا لما « 6 » كانوا متفاضلين في قوة التمييز « 7 » النطقي ، كان أتمهم تمييزا وأقواهم حنكة وأفضلهم رأيا ، أدرك وأحفظ ، لما يمر بهم من الأمور التجريبية « 8 » وغيرها ، لمقابلة الأمراض بما يعالجها به من الأدوية دون غيره . فإذا اتفق في بعض النواحي أن يكون أهلها تعرض لهم الأمراض كثيرا ، وكان فيهم جماعة عدة بمثابة من أشرنا إليه أولا ، فإنهم تسلطوا بقوة إدراكهم وجودة قرائحهم ، وبما عندهم محفوظ من الأمور التجريبية وغيرها على سبيل المداواة ، فيجتمع عندهم على الطول أشياء كثيرة من صناعة الطب .

--> ( 1 ) في ج ، د « أول طلبه » . ( 2 ) في الأصل « تخلفت » ، ج ، د « بخلف » والمثبت من م . ( 3 ) في الأصل « الواضع » والمثبت من ج ، د . ( 4 ) في ج ، د « كان » . ( 5 ) في الأصل « هواء حي » . والمثبت من ج ، د . ( 6 ) ساقط في ج ، د . ( 7 ) في ج ، د « التميز » . ( 8 ) في ج ، د « المجربة » .