خليل الصفدي
23
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
نفسه ثم في ثوبه قذرا ، لم يكن يغسل درّاعة يلبسها ، ولا تزال عليه إلى أن تبلى . وكان له قطّ اسمه يقق « 1 » ، مرض ذلك القطّ بقولنج فحقنه « 2 » بيده ، وخرج ذلك الغائط على يديه ، وقد طرق الباب عليه بعض أصحابه الرؤساء ، فخرج إليهم وهو بتلك الحال ، لم يغسل يديه ، واعتذر إليهم بشغله عنهم بأمر القطّ . وكان يوما على مائدة الوزير أبي محمد المهلّبي ، فقدّمت سكباجة ، فوافقت [ من ] « 3 » أبي الفرج سعلة ، فبدر « 4 » من فمه قطعة بلغم وقعت في وسط السّكباجة ، فقال الوزير : ارفعوها وهاتوا من هذا اللون بعينه في غير هذه الغضارة . ولم يبن عنده ولا في وجهه إنكار ، ولا داخل أبا الفرج استحياء ولا انقباض . وكان الوزير من الصّلف على ما حكي عنه ، أنه كان إذا أراد أكل شيء بملعقة كالأرز واللّبن وغير ذلك ، وقف من الجانب الأيمن غلام معه ثلاثون ملعقة زجاجا مجرودا ، فيأخذ ملعقة ويأكل بها لقمة واحدة ، وناولها « 5 » لغلام آخر وقف على يساره ، ثم يتناول ملعقة غيرها جديدة ويأكل بها لقمة واحدة ، ثم يدفعها إلى الغلام الذي على يساره حتى لا يدخل الملعقة في فمه مرة أخرى . وكان مع هذا الصّلف والظرف والتجنب يصبر على مواكلة أبي الفرج ويحتمله لأدبه ومحادثته . ولما / طال الأمر على الوزير ، صنع له مائدتين عامّة وخاصّة ، يدعو إلى الخاصة من يريد مواكلته . وكان أبو الفرج أكولا نهما ، فإذا ثقل الطعام على معدته تناول خمسة دراهم فلفلا مدقوقا ، ولا يؤذيه ولا تدمع منه عيناه . وكان لا يقدر أن يأكل حمّصة واحدة ، ولا يأكل طعاما فيه حمّص ، وإذا أكل شيئا منه سرى « 6 » بدنه كله ، وبعد ساعة
--> ( 1 ) اليقق : هو الشديد البياض . ( 2 ) ب : فخنقه ، وقد صححت في الهامش . ( 3 ) الزيادة من معجم ياقوت . ( 4 ) معجم ياقوت : فبدرت . ( 5 ) كذا في الأصل ، وصوابه : يناولها . ( 6 ) نفسه : سرهج .