أبي نعيم الأصبهاني

338

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

ثم اصطبغت به ملجأ ، فهذا إدامك وحلواؤك وكل نومك ، فمن سمع بمثلك صبر صبرك أو عزم عزمك ، وما أظنك إلا قد لحقت بالماضين ، وما أظنك إلا قد فضلت الآخرين ، ولا أحسبك إلا قد أتعبت العابدين ، داود أنت كنت حيا في الآخرين ، وقد لحقت بالأولين ، وأنت في زمن الراغبين ، ولقد أخذت بذروة الزاهدين ، وأما المسجون فيكون مع الناس محبوسا فيأنس بهم ، لأن العدد كثير منهم معه ، وأما أنت فسجنت نفسك في بيتك وحدك ، فلا محدث ولا جليس معك ، فلا أدرى أي الأمرين أشد عليك ؟ الخلوة في بيتك تمر به الشهور والسنون ؟ أم تركك المطاعم والمشارب لا تأكل منها ولا تريح إلى شيء منها ، لا ستر على بابك ، ولا فراش تحتك ، ولا قلة يبرد فيها ماؤك ، ولا قصعة فيها غداؤك وعشاؤك ، مطهرتك قلتك ، وقصعتك تورك ، وكل أمرك داود : عجبا ! أما كنت تشتهى من الماء بارده ؟ ولا من الطعام طيبه ؟ ولا من اللباس لينه ؟ بلى ولكنك زهدت فيه لما بين يديك مما دعيت إليه ، ورغبت فيه فما أصغر ما بذلت ، وما أحقر ما تركت ، وما أيسر ما فعلت في جنب ما أملت أو طلبت ، أما أنت فقد ظفرت بروح العاجل ، وسعيت إن شاء اللّه في الآجل عزلت الشهوة عنك في حياتك لكيلا يدخلك عجبها ولا تلحقك فتنتها ، فلما مت شهرك ربك بموتك وألبسك رداء عملك ، فلم تنثر ما عملت في سرك فأظهر اللّه اليوم ذلك وأكثر نفعك وخشيت الجماعة ، فلو رأيت اليوم كثرة تبعك عرفت أن ربك قد أكرمك وشرفك فقل لعشيرتك : اليوم تتكلم بألسنتها فقد أوضح اليوم ربك فضلها أن كنت منها ، فلو لم تسترح إلى خير تعمله إلا حسن هذا النشر ، وجميل هذا المشهد ، لكثرة هذا التبع ، إن ربك لا يضيع مطيعا ، ولا ينسى صنيعا ، يشكر لخلقه ما صنع فيما أنعم عليهم أكثر من شكرهم إياه ، فسبحانه شاكرا مجازيا مثيبا . * حدثنا إبراهيم بن عبد اللّه ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ثنا محمد بن عيسى ابن السكن ثنا محمد بن الصباح قال قال ابن السماك في جنازة داود الطائي : ما أعجب شأنك وقد يزيد في عجبنا أنك من أهل زمانك قبرت نفسك قبل