خليل الصفدي

403

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

وأزرق الصّبح يبدو قبل أبيضه * وأول الغيث قطر ثم ينسكب قلت : هكذا حدّثت ، فإن كان هذا من عند السلطان نفسه فهذه غاية في البراعة ، وإن كان من الكتّاب أملوه عليه وقت العلامة فهي أيضا دالة على تيقّظه ، 153 ب كونه كتب ذلك بقلمه لأنه أعجبه ولاق بقلبه ، وما الأمر ببعيد . فإن صلاح الدين يوسف بن عبيد اللّه - أحد كتاب الإنشاء بمصر - أخبرني أن الملك الأشرف لما تولّى الملك منعنا أن نكتب إلى أحد بدعاء في أول المكاتبة مثل : حرس اللّه نعمة المجلس العالي وما أشبه ذلك . وقال : من هو الذي افتتح خطابه بالدعاء له ؟ وقال : كان يتأمّل ما يعلم عليه من أوله إلى آخره ، فما أرضاه علّم عليه وما لم يرضه خرّج فيه ما أراد . وقال لي : كان قد عظم في الآخر إلى أن صار لا يكتب اسمه وإنما يكتب ( خ ) إشارة إلى أوّل حرف من اسمه . وقال : إنه لما توفي فتح الدين بن عبد الظاهر ورتّب عماد الدين بن الأثير مكانه جاءت إليه ورقة بخطّ السّلطان فيها مكتوب : يا عماد اكتب بكيت وكيت . ثم بعد مدة جاءت ورقة فيها مكتوب : يا عماد الدين اكتب بكذا وكذا ، ثم بعد مدة جاءت ورقة مكتوب فيها : يا عماد الدين كاتب سرنا اكتب بكذا وكذا أو كما قال . وكان الموقّعون أولا يكتبون في الطّرّة إشارة إلى ما يعلّمه السلطان على قدر المكاتبة ، أما أن يكتب أخوه أو يقولون بيبرس أو قلاون أو خليل بحسب من يكون من الملوك . فلما كان في أيام الأشرف أبطل ابن عبد الظاهر خليل وكتب الاسم الشريف ، فأعجبه ذلك وأمر له لكل حرف بألف درهم . وكان قد منع كتّاب الإنشاء أن يكتبوا لأحد في ألقابه : الزعيمي ، وقال : من هو زعيم الجيوش غيري ؟ وقال لي القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه : كان عندنا في أوراق عمي شرف الدين جملة كبيرة بخط الملك الأشرف إليه فيها مقاصد ما يكتبه عنه . قال : وهي عبارة مسددة ومقاصد مستوفاة للغرض المقصود . وفي بعض تلك 154 أالأوراق بخطّ يده : عجبا لذهنك الوقّاد وفكرك النقّاد كيف فاتك هذا ؟ وكان فيها ما يكتب إلى أبي نميّ . ومن جملة ذلك : فركنت إلى الظّاهر وهو أخبث الطّير وأنت أحذر الوحش . ونقلت من خط القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في سيرة