خليل الصفدي
389
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
أكبر . 147 أو قال الخليل : اجتزت في بعض أسفاري براهب في صومعة ، فوقفت عليه والمساء قد أزف جدا ، وخفت من الصحراء . فسألته أن يدخلني فقال : من أنت ؟ قلت : الخليل بن أحمد ، فقال : أنت الذي يزعم الناس أنك وجيه واحد في العلم بعلم العرب ؟ فقلت : كذا يقولون ، ولست كذلك فقال : إن أجبتني عن ثلاث مسائل جوابا مقنعا فتحت لك الباب وأحسنت ضيافتك وإلا لم أفتح لك . فقلت : وما هي ؟ قال : ألسنا نستدلّ على الغائب بالشّاهد ؟ فقلت : بلى ، قال : فأنت تقول أن اللّه تعالى ليس بجسم ولا عرض ، ولسنا نرى شيئا بهذه الصفة . وأنت تزعم أن الناس في الجنة يأكلون ويشربون ولا يتغوّطون ، وأنت لم تر آكلا ولا شاربا إلا متغوّطا . وأنت تقول أن نعيم أهل الجنة لا ينقضي وأنت لم تر شيئا إلا منقضيا . قال الخليل : فقلت له بالشاهد الحاضر استدللت على ذلك كله . أما اللّه تعالى فإنما استدللت عليه بأفعاله الدالة عليه ولا مثل له . وفي الشاهد مثل ذلك وهو الروح التي فيك وفي كل حيوان تعلم أنك تحسّ بها ، وهي تحت كل شعرة منا ، ونحن لا ندري أين هي ولا كيف هي ولا ما صفتها ولا ما جوهرها . ثم نرى الإنسان يموت إذا خرجت ولا يحسّ بشيء خرج منه ، وإنما استدللنا عليها بأفعالها وبحركاتها ، وتصرّفنا بكونها فينا . . وأما قولك أنّ أهل الجنة لا يتغوّطون مع الأكل ، فالشّاهد لا يمنع ذلك . ألا ترى الجنين يغتذي في بطن أمه ولا يتغوّط . وأما قولك أن نعيم أهل الجنة لا ينقضي مع أن أوله موجود ، فإنا نجد أنفسنا نبتدئ الحساب بالواحد ثم لو أردنا أن لا ينقضي لما لا نهاية له لم نكرّره واعداده تضعيفه إلى انقضاء ما . قال : 147 ب ففتح الباب لي وأحسن ضيافتي . قال ياقوت في معجم الأدباء : هذا الجواب كما شرط الراهب إقناعي لا قطعيّ . وكان عبد اللّه بن الحسن العنبريّ قاضي البصرة يأتي جارا له يقول بالنجوم ، فدخل في قلبه شيء ، فجاء إلى الخليل فقال له : أنت عبد اللّه بن الحسن ؟ قال : نعم ، فسأله عن شيء من القدر فقال الخليل : أخبرني عن الحاء من أين مخرجها ؟