خليل الصفدي
57
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
وكان بحضرته جماعة من أصحابه وتلاميذه ، فغضب أبو نزار ، وخرج عن حدّ الوقار ، وقال له : ويلك ، أخبرني ما سبب قلّة مبالاتك بي ؟ أنكتك قطّ ! ؟ فبادر الغلام وقال عجلا : لا واللّه يا مولاي معاذ اللّه أن تفعل ذلك . قال : ويلك ، فنكتني قطّ ! فحرّك الغلام رأسه بتعجب من كلامه وسكت . فقال ملك النحاة : أدركني ويلك بالجواب فما هذا موضع السكوت ، لا رعاك اللّه يا ابن الفاعلة ، عجّل ، قل ما عندك / قال : لا واللّه ، قال : فما السّبب في أنك لا تقبل قولي ، ولا تسرع في حاجتي ؟ فقال له : إن كان سبب الانبساط لا يكون إلّا هذين ، فأعدك ألّا أعود « 1 » لما تكره . » وكان ملك النّحاة مطبوعا متناسب الأحوال والأفعال ، يحكم على أهل التمييز بحكم « 2 » ملكه ، فيقبل ولا يستثقل ، وكان يقول : « هل سيبويه إلّا من رعيّتي ! ولو عاش ابن جنّي لم يسعه إلّا حمل غاشيتي » . مرّ الشّتيمة حلو الشّيمة « 3 » . يضمّ يده « 4 » على المائة والمائتين ، ويمشي وهو منها صفر اليدين ، مولع باستعمال الحلاوات السّكّريّة ، وإهدائها إلى جيرانه . وخلع عليه نور الدّين محمود يوما خلعة سنيّة ، فمضى بها إلى منزله ، فرأى في طريقه حلقة مجموعة على تيس يخرج الخبايا ، فلما وقف عليه للفرجة ، قال معلّم التيس : « قد وقف في حلقتي رجل عظيم القدر ، شائع الذّكر ، ملك في زيّ سوقة ، أعلم الناس وأكرمهم وأجملهم ، فأرني إيّاه . فشقّ ذلك التيس الناس ، وخرج حتى وضع يده على ملك النّحاة ؛ فلم يتمالك أن ألقى عليه تلك الخلعة ، فبلغ ذلك نور الدين ، فعاتبه ، وقال : « استخفافا فعلت هذا بخلعتنا » فقال : « عذري في ذلك واضح ، لأنّ في هذه المدينة زيادة على مائة ألف تيس فما فيهم من عرفني « 5 » إلا هذا التّيس ، فجازيته على ذلك » . فضحك نور الدين منه .
--> ( 1 ) في الأصل : « فسأعبدك ولا أعود » . والتصحيح من معجم الأدباء . ( 2 ) في الأصل : « تحكم » تصحيف . ( 3 ) في الأصل : « مر الشيمة حلو الشتيمة » والتصحيح من أعيان الشيعة 22 / 8 وفي معجم الأدباء : « مر الشكيمة » ! ( 4 ) في إنباه الرواة ومرآة الزمان : « يضم من الذهب يده » . ( 5 ) في معجم الأدباء : « عرف قدري » .