خليل الصفدي
392
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
أنّه هو المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق « 1 » في جواب ما هو ، واخذته « 2 » في تحقيق « الحدّ » بما لم يسمع مثله ، وتعجّب منّي كلّ العجب ، وحذّر والدي من شغلي بغير العلم « 3 » . وكان أيّ مسألة قالها لي ، أتصوّرها خيرا منه حتى قرأت ظواهر المنطق عليه ، وأما دقائقه فلم يكن عنده منها خبر . ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي ، وأطالع الشّروح حتى أحكمت المنطق ، وكذلك كتاب « أقليدس « 4 » » ، فقرأت من أوّله خمسة أشكال أو ستّة عليه ، ثم تولّيت من نفسي حلّ بقيّة الأشكال بأسره . ثم انتقلت إلى « المجسطيّ » ، ولما فرغت من مقدّماته ، وانتهيت إلى الأشكال الهندسيّة ، قال لي النّاتليّ : تولّ قراءتها وحلّها بنفسك ، ثم اعرضها عليّ لأبيّن لك صوابه من خطئه « 5 » . وما كان الرّجل يقوم بالكتاب . وأخذت أحلّ ذلك الكتاب ، فكم من شكل ما عرفه إلّا وقت ما عرضته عليه وفهّمته إيّاه . ثم فارقنا النّاتليّ ، واشتغلت أنا بتحصيل العلم من الفصوص والشّروح من الطّبيعي والإلهي ، فصارت أبواب العلم تنفتح عليّ . ثم رغبت في علم الطّب ، وصرت أقرأ الكتب المصنّفة فيه ، وعلم الطّبّ فليس « 6 » من العلوم الصّعبة ، فلا جرم أنّي برّزت فيه في أقلّ مدّة ، / حتى بدأ فضلاء الطّبّ يقرءون عليّ علم الطّبّ ، وتعهّدت المرضى ، فانفتح عليّ من أبواب المعالجات المقتبسة من التّجربة ما لا يوصف ، وأنا مع ذلك أختلف إلى الفقه وأناظر فيه ، وأنا في هذا الوقت من أبناء ستّ عشرة سنة . ثم توفّرت على العلم والقرآن سنة ونصفا ، وأعدت قراءة المنطق وجميع أجزاء الفلسفة . وفي هذه المدّة ما نمت ليلة واحدة بطولها ، ولا اشتغلت في النّهار بغيره ، وجمعت بين يديّ
--> ( 1 ) في عيون الأنباء وتاريخ الحكماء : « مختلفين بالنوع » . ( 2 ) في عيون الأنباء وتاريخ الحكماء : « فأخذت » . ( 3 ) في عيون الأنباء : « بغير المعلم » . ( 4 ) في الأصل هنا وفي بعض المواضع التالية : « أوقليدس » . ( 5 ) في الأصل : « خطاية » . ( 6 ) في بعض المصادر : « ليس » .