خليل الصفدي
388
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
من هذا أكثر مما « 1 » يحصى ، حتى كثرت النّعمة ، وانتهيت إلى ما استفاض خبره . وحكى ابن الجصّاص قال : كنت يوم قبض على المقتدر ، جالسا في داري وأنا ضيّق الصّدر ، وكانت عادتي إذا حصل لي مثل ذلك أن أخرج جواهر « 2 » كانت عندي في درج ، معدّة لمثل هذا ، من ياقوت أحمر وأصفر وأزرق ، وحبّا كبارا ، ودرّا فاخرا ، ما قيمته خمسون ألف دينار ، وأضع ذلك في صينيّة ، وألعب به فيزول قبضي ، فاستدعيت بذلك الدّرج ، فأتي به بلا صينيّة ، ففرّغته في حجري ، وجلست على « 3 » صحن داري في بستان ، في يوم بارد طيّب الشمس « 4 » ، وهو مزهر بصنوف الشقائق والمنثور ، وأنا ألعب بذلك ، إذ دخل الناس بالزّعقات والمكروه ، فلما قربوا منّي دهشت ، ونفضت جميع ما كان في حجري من الجوهر ، بين ذلك الزّهر في البستان ولم يروه . وأخذت وحملت ، وبقيت مدّة في المصادرة والحبس . وانقلبت « 5 » الفصول على البستان ، وجفّ ما فيه ، ولم يفكّر أحد فيه ، فلما فرّج اللّه عنّي ، وجئت إلى داري ، ورأيت المكان الذي كنت فيه ، ذكرت الجوهر ، فقلت : ترى بقي منه شيء . ثم قلت : هيهات ! وأمسكت . ثم قمت بنفسي ومعي غلام يثير البستان بين يديّ ، وأنا أفتّش ما يثيره ، وآخذ منه الواحدة بعد الواحدة ، إلى أن وجدت الجميع ، ولم أفقد منه شيئا . وكان ينسب إلى الحمق والبله ؛ مما يحكى عنه ، أنّه قال في دعائه يوما : « اللهم اغفر لي من ذنوبي ما تعلم وما لا تعلم ! » . ودخل يوما على ابن الفرات الوزير ، فقال : يا سيّدي عندنا في الحويرة / كلاب لا يتركوننا ننام من الصّياح والقتال » . فقال الوزير : « أحسبهم جراء » . فقال : « لا تظن أيها الوزير ، لا تظن ذلك ، كلّ كلب مثلي ومثلك » .
--> ( 1 ) في الأصل : « ما » تحريف . ( 2 ) في الأصل : « جوهرا » تحريف . والصواب في فوات الوفيات 1 / 272 ( 3 ) في فوات الوفيات 1 / 273 : « في » . ( 4 ) في فوات الوفيات : « رطيب الشمس » تحريف . ( 5 ) في فوات الوفيات : « وتقلبت » .