خليل الصفدي

373

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

يصحّ عليه الوقوف ، وفيه أعمال أقصرت عنها واختصرت منها خيفة الملل ، وتخفيفا في العمل ، وقد قصدت بيان الجناب ورصدت إتيان الجواب » . وطلب مني الجواب عن ذلك فكتبت : وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به * كأنّه علم في رأسه نار « 1 » لحقيق بأن يصفه مولانا وصف الخنساء ، ويعدّد محاسنه التي أربت كثرتها على رملة الوعساء ، ويستغرق أوصافه التي استوعب في سردها ، ويركض في ميادين البلاغة على مطهّمات نعوته وجردها ، حتى أبدع في مقاصده التي وقف لها كلّ سائل ، وقال فلم يترك مقالا لقائل ، وفتح بابا ليس للناس عليه طاقة ، وأصبح في التقدّم لعصابة الأدب رأسا والناس ساقة ، لا جرم أنّ هذا الملغز فيه ، قال بعض واصفيه : [ من الخفيف ] علم مفرد فإن رفعوه * رفعوه قصدا لأجل البناء أنّثوه ومنه قد عرف التّذ * كير فانظر تناقض الأشياء وأما المملوك فيقول فيه : إنّه صاحب الرّباط والزّاوية ، والمقام الذي يقال / لقاعديه : الجبل يا سارية ، والقسمة التي هي على صحّة الاختلاف متساوية ، كم في الزوايا منه خبيّة حنيّة ، وكم علّق عليه ذرّيّة ، من الكواكب الدّرّيّة ، كم رأى الناس في قيامه من قاعدة ، وكم لشهادته من كلمة إلى العرش صاعدة ، وكم تليت على الصّحن منه آية من المائدة ، يكاد من علاه يسامر النّجوم في الدّجنّة ، ويرقى كلّ حين وليس به في النّاس جنّة ، هلاله لا يزيد ولا ينقص في الطّرف ، وراقيه يعبد اللّه على حرف ، قد حسن منه عكسه المصحّف ، وعظم قدره في البناء فلا بدع إذا تشرّف ، عجب العروضيّ من بسيطه الطويل الوافر ، ووقف على ساق واحدة وكم كان له من حافر ، واستقام خطّه وفيه الدائر ، وشاهدنا القرنصة فيه وهو غير طائر ، وأقام مكانه ونداؤه لسائر المسلمين سائر ، يجيب نداءه الملوك والملائك ، ويرى من يعلوه وهو متّكئ على الأرائك . [ من الطويل ] إذا ما اطمأنّت دونه السّحب إنّه * له همّة لم ترض إلا التّناهيا

--> ( 1 ) البيت للخنساء في ديوانها 27 وقواعد الشعر لثعلب 77 مع مصادر أخرى كثيرة في هامشه .