خليل الصفدي
258
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
ولم يزل خطيبا إلى أن توفّي فجاءة ، في شهر رمضان سنة ثلاث / وعشرين وسبعمائة ، ولم تسمع أذناي خطيبا أفصح منه ، ولا أعذب عبارة ، ولا أصحّ أداء ، كأنه يقرأ الخطبة تجويدا لمخارج الحروف . وكان لكلامه في الخطابة وقع في السّمع وأثر في القلب . وتخرّج به جماعة فضلاء ، وقلّ من قرأ عليه ولم يتنبّه ، ولم أر مثله في مبادئ التعليم ، كان يفتّق ذهن المشتغل ، ويوضّح له طرق الاشتغال ، ولم أر مثله في تنزيل قواعد النّحو على قواعد المنطق ، وكان يحبّ فساد الحدود والردّ عليها والجواب عنها . وممن قرأ عليه أوّلا : العلّامة القاضي فخر الدّين المصري وغيره . وكان لي منه - رحمه اللّه - نصيب وافر . وأجد منه حنّوا كثيرا وبرّا ، ولم أقرأ على أحد قبله ، وكان شديد المحبّة لأصحابه شفوقا عليهم ، صادق اللّهجة مفرط الكرم . وكانت بينه وبين الشيخ صدر الدّين قرابة ، وكان هشّا بشّا بسّاما ، وعمّته مليحة ولم أر أعفّ يدا ولا فرجا منه ، رحمه اللّه . وكان يكتب خطّا حسنا ونظمه سريع « 1 » إلى الغاية ، ونظمه أرشق من نثره . وكان قادرا على الإنشاء ، ولم أره يخطب بغير الخطب النّباتيّة . وكان جيّد المشاركة ، أشعريّ العقيدة ، شافعيّ المذهب ، يحبّ الكتب ويبالغ في الحرص على اقتنائها ، والمنافسة فيها . رأيته بعد موته بمدة في المنام ، فقمت إليه وصافحته ، وقبضت على يده ، وقلت له : « قل لي ما الخبر ؟ » فقال لي : « لا تعتقد إلّا وحدانيّة » . فقلت له : « هذا شيء قد جبل اللّحم والدّم عليه » . فقال : « ولا بأس مع الفاتحة ، من سورة أخرى من القرآن ، وقصيصات الناس » . فعلمت أنّه نصحني حيّا وميّتا ؛ لأنه كان يتوقّف في توقيعه ، ويتحرّى ويتحرّز فيما يكتبه ، ولا يكتب إلا ما هو سائغ ،
--> ( 1 ) في الأصل : « سريعا » وهو خطأ .