خليل الصفدي

414

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

وقال : اذهب إلى أنس والحجّاج وابدأ بأنس وقل له : أمير المؤمنين يسلّم عليك ويقول لك : قد كتبت إلى عبد بني ثقيف كتابا إذا قرأه كان أطوع لك من أمتك ، واستعرض حوائجه ! فركب إسماعيل البريد ، فلمّا دفع الكتاب إلى الحجّاج جعل يقرأه ويتمعّر وجهه ويرشح عرقا ويقول : يغفر اللّه لأمير المؤمنين ! ثمّ قال : نمضي إلى أنس ! فقال له : على رسلك ! ثمّ مضى إلى أنس وقال له : يا أبا حمزة ، قد فعل أمير المؤمنين معك ما فعل وهو يقرأ عليك السلام ويستعرض حوائجك . فبكى أنس وقال : جزاه اللّه خيرا ، كان أعرف بحقّي وأبرّ بي من الحجّاج . قال : وقد عزم الحجّاج على المجيء إليك ، فإن رأيت أن تتفضّل عليه فأنت أولى بالفضل . فقام أنس ودخل إلى الحجّاج فقام إليه واعتنقه وأجلسه على سريره وقال : يا أبا حمزة ، عجلت عليّ بالملامة وأغضبت أمير المؤمنين ، وأخذ يعتذر إليه ويقول : قد علمت شغب أهل العراق وما كان من ابنك مع ابن الجارود ومن خروجك مع ابن الأشعث ، فأردت أن يعلموا أنّي أسرع إليهم بالعقوبة إذ قلت لمثلك ما قلت . فقال أنس : ما شكوت حتى بلغ منّي الجهد ، زعمت أنّنا الأشرار واللّه سمّانا الأنصار ، وزعمت أنّنا أهل النفاق ونحن الذين تبوّأنا الدار والإيمان ، واللّه يحكم بيننا وبينك . وما وكلتك إلى أمير المؤمنين إلّا حيث لم يكن لي به قوّة ولا آوي إلى ركن شديد ! ودعا لعبد الملك وقال : إن رأيت خيرا حمدت وإن رأيت شرّا صبرت ، وباللّه استعنت . - وكتب الحجّاج إلى عبد الملك : أمّا بعد ، فأصلح اللّه أمير المؤمنين وأبقاه ولا أعدمناه ، وصلني الكتاب يذكر فيه شتمي وتعييري بما كان قبل نزول النعمة بي من أمير المؤمنين ويذكر استطالتي على أنس جرأة منّى على أمير المؤمنين وغرّة منّي بمعرفة سطواته ونقماته . وأمير المؤمنين أعزّه اللّه في قرابته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أحقّ من أقالني عثرتي وعفا عن جريمتي ولم يعجّل عقوبتي ورأيه العالي في تفريج كربتي وتسكين روعتي ، أقاله اللّه العثرات !