خليل الصفدي
189
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
الحال جدّا متجمّل يلتقط النوى ، وكان يمرّ بأبي العتاهية فيقول : اللهمّ أعنه على ما هو بسبيله ! ويدعو له إلى أن مات الشيخ نحوا من عشرين سنة ولم يزده على الدعاء شيئا ، فقيل له : يا أبا إسحاق ، نراك تكثر الدعاء لذلك الشيخ وتزعم أنّه فقير معيل « 4 » فلم لا تتصدّق عليه بشيء ؟ فقال : أخشى أن يعتاد الصدقة والصدقة آخر مكاسب العبد وإنّ في الدعاء لخيرا كثيرا . وقال محمد بن عيسى الحرقي « 6 » - وكان جارا لأبي العتاهية - قال : كان سائل من العيّارين الظرفاء وقف « 7 » على أبي العتاهية وجماعة جيرانه حوله فسأله ، فقال : صنع اللّه لك ! فأعاد السؤال وردّ مثل ذلك ، فأعاد الثالثة فردّ مثل ذلك ، فغضب وقال : ألست الذي يقول ( من المديد ) : كلّ حيّ عند ميتته * حظّه من ماله الكفن قال : نعم . قال : فباللّه أتريد أن تعدّ مالك كلّه لثمن كفنك ؟ قال : لا . قال : باللّه كم قدّرت لكفنك ؟ قال : خمسة دنانير . قال : هي حظّك إذا من مالك ؟ قال : نعم . قال : فتصدّق عليّ من غير حظّك بدرهم واحد ! قال : لو تصدّقت عليك لكان حظّي . قال : فاعمل على أنّ دينارا من الخمسة وضيعته قيراط وادفع إليّ قيراطا واحدا وإلّا فواحدة أخرى ! قال : وما هي ؟ قال : القبور تحفر بثلاثة دراهم فأعطني درهما وأقيم لك كفيلا بأنّي أحفر لك قبرك متى متّ وتربح درهمين لم يكونا في حسابك ، فإن لم أحفر لك رددته على ورثتك أو ردّه كفيلي عليهم . فخجل أبو العتاهية وقال : اغرب ، قبّحك اللّه وغضب عليك ! وضحك جميع من حضر ومرّ السائل يضحك ، فالتفت إلينا أبو العتاهية وقد اغتاظ فقال : من أجل
--> ( 4 ) معيل ، الأصل : مقل ، الأغاني 4 / 17 ، 17 . ( 6 ) الحرقي ، الأصل : الخزيمي ، الأغاني 4 / 18 ، 1 و 13 . ( 7 ) وقف : فوقف ، الأصل .