خليل الصفدي
129
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
الإفطار عنده ، وكانت داره لا تخلو كل ليلة من ليالي رمضان من ألف نفس مفطرة ، وكانت صدقاته وقرباته تبلغ في شهر رمضان مبلغ ما يطلقه « 2 » في السنة كلّها . - وكان في الصغر إذا أراد المضيّ إلى المسجد ليقرأ تعطيه والدته دينارا في كلّ يوم ودرهما وتقول له : تصدق بهذا على أوّل فقير تلقاه ! فجعل هذا دأبه في شبابه إلى أن كبر وماتت والدته ، وهو على هذا يقول للفرّاش في كلّ ليلة : اطرح تحت المطرح دينارا ودرهما ! لئلّا ينساه . فبقي على هذا مدّة ، ثمّ إنّ الفرّاش نسي ليلة من الليالي أن يطرح له الدرهم والدينار فانتبه وصلّى وقلب المطرح ليأخذ الدرهم والدينار فما رآهما ، فتطيّر من ذلك وظنّ أنّه لقرب أجله ، فقال للفرّاشين : شيلوا كلّ ما هنا من الفرش وأخرجوه وأعطوه لأوّل فقير تلقونه حتى يكون كفّارة لتأخير هذا ! فلقوا أعمى هاشميّا يتّكئ على يد امرأة ، فقالوا : تقبّل هذا ! فقال : ما هو ؟ فقالوا : مطرح ديباج ومخادّ ديباج . فأغمي عليه ، فأعلموا الصاحب بأمره فأحضره وسقاه شرابا بعد ما رشّ عليه الماء ، فلما أفاق سأله ، فقال : اسألوا هذه المرأة إن لم تصدّقوني . فقال له : اشرح ! فقال : أنا رجل شريف ولي ابنة من هذه المرأة خطبها رجل فزوّجناه ، ولي سنتين آخذ القدر الذي يفضل عن قوتنا أشتري لها به قطعة صفراء وطفرية « 16 » وما أشبه ذلك . فلمّا كان البارحة قالت أمّها : اشتهيت لها مطرح ديباج ومخادّ ديباج . فقلت : من أين لي ذلك ؟ وجرى بيني وبينها خصومة إلى أن سألتها أن تأخذ بيدي وتخرجني حتى أمضي على وجهي ، فلمّا قال لي هؤلاء هذا الكلام حقّ لي أن يغشى عليّ . فقال : لا يكون الديباج إلّا مع ما يليق به ، هاتم الأنماطيّين ! فجيء بهم فاشترى منهم الجهاز الذي يليق بذلك المطرح ، وأحضر زوج الصبيّة ودفع إليه بضاعة سنيّة .
--> ( 2 ) يطلقه ، الأصل : يطلق منها ، يتيمة الدهر 3 / 197 ، 14 . ( 16 ) طفرية : طفريه ، الأصل ولعله يوافق « طوفرية » ( راجع Dozy , Supplement 2 / 48 ) .