خليل الصفدي
261
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
مما أرقّته السماء من جلابيبها ، وأسرى من برقها المومض في غرابيبها ، وأسرع من سرى رياحها / وقد جمعت أطواق السحب وأخذت بتلابيبها . وسبّح المملوك من عجب لهذه البلاغة « 1 » التي كملت الفضائل ، وفصلت عن العلم وفي الرعيل الأول علم الأوائل . وفضلت مبدعها وحق له التفضيل ، وآتته جملة الفضل وفي ضمنها التفصيل . وأنطقت لسان بيانه وأخرست كل لسان ، وأجرت قلم كرمه وأحرزت كل إحسان ، ونشرت علم علمه وأدخلت تحته كل فاضل ، وأرهفت شبا حدّه وقطعت به كل مناظر وكلّ مناضل . وقالت للسحاب وقد طبّق : إليك فإن البحر قد جال ، وللنوء وقد أغدق : تنحّ فإن الطوفان قد حصر أرجال ، وللرعد وقد صرخ : اسكت ، فقد آن لهذه الشقاشق أن تسلّت ، وللبرق وقد نسخ آية الليل : استدرك غلطك لئلّا تبكّت . أما ترى هذه العلوم الجمة وقد زخر بحرها ، وأثّر في الألباب سحرها ، وهذه الفضائل وكيف تفننت فنونها وفتنت عيونها ، وتهدلت بالثمرات أفنانها ، وزخرفت بالمحاسن جنانها ؟ وهذه الألمعية وكيف ذهّبت الأصائل ، وهذه اللوذعية وما أبقت مقالا لقائل . وهذه الفواضل وقد توقد ذبالها ، وتقدد بها أديم الظّلم وتشقق سربالها ؟ وهذه البراعة التي فاضت فكل منها سكران طافح ؟ وهذه الفصائح وما غادرت بين الجوانح ؟ وهذه البلاغة وقد سالت بأعناق المطي بها الأباطح ؟ وهذه الصناعة وقد استعين عليها من أهلها بصالح ؟ وهذه الصياغة وما تارك فن الجواهر لها إلا رابح ؟ وهذه الحكم البوالغ ، وهذه النعم السوابغ ، وهذه الديم التي « 2 » لا يملأ حوضها من إناء فارغ ، وهذه الشيم التي لو تنكرت ثم مزجت بالفرات لما سرت لسائغ ؟ وهذه الهمم التي برقت بتوجهها فكسفت عناية عارضها ، وكفت غواية البرق وقد ولع وخط مشيبه بخطّ عارضها ، حتى جلاها / وأضحاها ، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها .
--> ( 1 ) مكررة في الأصل . ( 2 ) في الأصل : الذي .