خليل الصفدي
259
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
سلافا كئوسها الحروف وكل نقطة حبابة ، وشاهد أوصاف هذه الأيام المباركة القدوم المتصلة الظلام فلا أوحش اللّه من طلعة الشمس وحاجب الهلال وعيون النجوم ، فما لنا ولهذه السحائب السحّابة ، والغمائم السكابة ، والرعود الصخابة ، والبروق اللهابة ، والثلوج التي أصبحت بحصبائها حصّابة ، والبرد الذي أمست إبره لغصون الجلود قطابة ، والزميتا التي لا تروى عن أبي ذرّ إلّا ويروى العيب عن أبي قلابة ، كلما أقبلت فحمة ظلام قدحت فيها البوارق جمرتها ، وكلما جاءت سحابة كحلاء الجفون رجعت مدها لما أسبلت من عبرتها ، فما هذا شهر طوبة إن هذا إلا جبل ثهلان ، وما هذا كانون إن هذا إلا تنور الطوفان ، فإلى متى قطن هذه الثلوج يطرح على جباب الجبال ؟ وإلى متى تفاض / دلاص الأنهار وترشقها قوس قزح بالنبال ؟ وإلى متى يشقق السحاب ما لها من الحلل والحبر ؟ وإلى متى ترسل خيوط المزن من الجو وفي أطرافها على الغدران إبر ؟ وإلى متى تجمد عيون الغمام وتكحلها البروق بالنار ؟ وإلى متى نثار هذه الفضة وما يرى من النجوم دينار ؟ وإلى متى نحن نحنو على النار حنوّ المرضعات على الفطيم ؟ وإلى متى تبكي المزاريب بكاء الأولياء بغير حزن إذا استولوا على مال اليتيم ؟ وإلى متى هذا البرق تتلوى بطون حياته ، وتنقلب حماليق العيون المحمرّة من أسود غاباته ؟ وإلى متى يزمجر عتب هذه الرياح العاصفة ؟ وإلى متى يرسل الزمهرير أعوانا تصبح حلاوة الوجوه بها تالفة ؛ أترى هذه الأمطار تقلب بالأزيار أم هذه المواليد تنتهي فيها الأعمار ؟ كم من جليد يذوب له قلب الجليد ، ويرى زجاجه الشفاف أصلب من الحديد ، ووحل لا تمشي هريرة فيه الوحي وبرد لا تنتطق فيه نؤوم الضحى . اللهمّ حوالينا ولا علينا ، لقد أضجرنا تراكم الثياب ، ومقاساة ما لهذه الرحمة من العذاب ، وانجماع كلّ عن إلفه واغلاق باب القباب . وتخلّل الضباب زوايا البيوت فالأطفال ضباب الضّباب : كل ضبّ منهم قد ألف باطن نافقائه ، وقدم بين يديه الموت بداية