خليل الصفدي
253
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
لأعاديه بمنع رغابها . يتوقد ذكاء وفطنة ويتلهب ، ويتحدر سيله ذاكرة وحفظا ويتصبب . ويتدفّق بحره بالجواهر كلاما ، ويتألق إنشاؤه بالبوارق المتسرّعة نظاما . ويقطر كلامه فصاحة وبلاغة ، وتندى عبارته انسجاما وصياغة . وينظر إلى غيب المعاني من ستر رقيق ، ويغوص في لجة البيان فيظفر بكبار الدّرّ من البحر العميق . استوت بديهته وارتجاله ، وتأخر عن فروسيته من هذا الفن رجاله . يكتب من رأس قلمه بديها ، ما يعجز تروّي القاضي الفاضل أن يدانيه تشبيها . وينظم من المقطوع والقصيدة جوهرا ، ما يخجل الروض الذي باكره الحيا مزهرا . صرّف الزمان أمرا ونهيا ، ودبر الممالك تنفيذا ورأيا . وصل الأرزاق بقلمه ، ورويت تواقيعه وهي إسجالات حكمه وحكمه . لا أرى أن اسم الكاتب يصدق على غيره ولا يطلق على سواه : لا يعمل القول المك * رّر منه والرأي المردّد ظنّ يصيب به الغيو * ب إذا توخّى أو تعمّد / مثل الحسام إذا تألّ * ق والشهاب إذا توقّد كالسيف يقطع وهو مس * لول ويرهب حين يغمد ولا أعتقد أن بينه وبين القاضي الفاضل من جاء مثله ، على أنه قد جاء مثل تاج الدين ابن الأثير ومحيي الدين ابن عبد الظاهر وشهاب الدين محمود وكمال الدين ابن العطّار وغيرهم . هذا إلى ما فيه من لطف أخلاق وسعة صدر وبشر محيا . رزقه اللّه أربعة أشياء لم أرها اجتمعت في غيره وهي : الحافظة ، قلّما طالع شيئا إلا وكان مستحضرا لأكثره ، والذاكرة التي إذا أراد ذكرى شيء من زمن متقدم كان ذلك حاضرا كأنه إنما مرّ به بالأمس ، والذكاء الذي تسلط به على ما أراد ، وحسن القريحة في النظم والنثر . أمّا نثره فلعلّه في ذروة كان أوج الفاضل لها حضيضا ولا أرى أحدا يلحقه فيه جودة وسرعة عمل لما يحاوله في أي معنى أراد وأي مقام توخاه . وأما نظمه فلعلّه لا يلحقه فيه إلّا الأفراد .