خليل الصفدي

168

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

سقى وحيّا اللّه طيفا أتى * فقمت إجلالا وقبّلته لشدة الشوق الذي بيننا * قد زارني حقا وقد زرته وافى من الجناب العالي المحيوي آنس اللّه المملوك بقربه ، وحفظ عليه منزلته من قلبه ، وهداه إلى الطريق التي كان ظفر فيها بمطلب البلاغة من كتبه ، ولا شغله بسواه حتى لا يسمع غير كلامه ولا يرى غير شخصه ولا ينطق إلا بذكره / لغلبة حبه . وما زاره في المنام ، ولا أتاه في خفية واكتتام ، ولا شاهده بدعوى الأحلام ، بل فإن المنى أحلام المستيقظ وهو به طول المدى حالم والناس نيام . ولا ينكر الإخلال بالمكاتبة على نائم ، والقلم مرفوع عن النائم . غير أنّ المملوك أماته الشوق فانتبه ، بعد ما رآه بعينه فهو لا يتأول ولا سيما في أمر ما اشتبه ، وما كانت زيارته له إلا منافسة له بظنّه أن المملوك علقت به أسباب الكرى ، ومناقشة لطلبه زور الخيال حقيقة لما سرى . لينفي الوسن عن نظره ، ثم ينصرف على أثره . ولما سجدت له الأجفان ظنّ بها سنة فزارها منبّها ، وما كان إلّا ساهيا بمزاره عن خدمته فلا ينكر على جفنه السجود لمّا سها . ولكم علّة للشوق أطفأ حرّها بمزاره ، وأعلق به أشراك الأجفان خيفة من نفاره ، وعقله بحبائل جفنيه ، خشية أن تنزع يد اليقظة حبيبه من بين جنبيه . وضمّها على خياله ، ضمّ المحبّ للعناق يمينه على شماله . ولكن ما فاز بالعناق إلا يد أو يدان ، وعناق المملوك للطيف من فرط الوجد بأربعة أيد من الأجفان . وإن لم تؤخذ هذه الدعوى منه بالتسليم ، وقيل ما زاره بل استزاره فكر له في كلّ واد يهيم . فبلى وحقّه لقد قصد مزارا ، إن الكريم إذا لم يستزر زارا . وتاللّه لقد وافاه ويسراه على حشاه ، ويمناه متشبثة بأذيال دجاه . ومحبه فوجده ، على أبرح ما يكون من الوجد الذي عهده . إلا أن ضيف الطيف ما أهتدى إلّا بنار أشواقه ، وما سرى بل سار في ضياء من بارق دمعه وما يوري قدحا من سنابك براقه . وتسوّر أسوار الجفون ، وخاض السيول من العيون .