خليل الصفدي

139

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

بيرون معناه بالفارسية برّا ، وسألت بعض الفضلاء عن ذلك فزعم أن مقامه بخوارزم كان قليلا وأهل خوارزم يسمون الغريب بهذا الاسم ، كأنّه لما طالت غربته صار غريبا . وما أظنّه أنه يراد به إلا أنّه يراد به أنه من أهل الرستاق يعني أنه من برّا البلد . وقال غيره : بيرون من بلاد الهند انتهى « 1 » . وتوفي أبو الريحان في عشر الثلاثين والأربعمائة وعاصر ابن سيناء وبينهما أسولة وجوابات ؛ ولمّا صنف كتاب « القانون المسعودي » أجازه السلطان بحمل فيل من نقده الفضّي فردّه إلى الخزانة بعذر الاستغناء عنه . وكان مكبّا على تحصيل العلوم ولا يكاد يفارق القلم يده ولا عينه النظر في الكتب وقلبه الفكر إلا في يومي النوروز والمهرجان . حدث القاضي كثير بن يعقوب النحوي البغداذي عن الفقيه أبي الحسن علي بن عيسى الولوالجي قال : دخلت على أبي الريحان وهو يجود بنفسه وقد حشرج نفسه وضاق به صدره فقال لي في تلك الحال : كيف قلت لي يوما في حساب الجدّات الفاسدة ؟ فقلت له إشفاقا عليه : أفي هذه الحالة ؟ قال : يا هذا أودّع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة ألا يكون خيرا من أن أخلّيها وأنا جاهل بها ؟ فأعدت ذلك عليه وحفظ وعلّمني ما وعد وخرجت من عنده وأنا في الطريق / فسمعت الصراخ عليه . وبلغ من حظوته عند الملوك أن شمس المعالي قابوسا أراد أن يستخلصه لنفسه على أن تكون له الإمرة المطاعة في جميع ما يحويه ملكه ويشتمل عليه ملكه فأبى ولم يطاوعه ؛ ولما سمح للملوك الخوارزمشاهيّة بذلك أنزله في داره معه ودخل خوارزمشاه يوما وهو يشرب على ظهر الدّابّة فأمر باستدعائه من الحجرة فأبطأ قليلا

--> ( 1 ) في حاشية المخطوطة ، بخط مغاير كتب ما يلي : « بيرون مدينة في السند وهي طيبة فيها غرائب وعجائب وكان أبو الريحان قصيرا أسمر اللون كث اللحية كبير البطن وكان من أجلاء المهندسين سافر في طلب العلم في بلاد الهند أربعين سنة » .