خليل الصفدي
19
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
لقد زعم القسّيس أنّ إلهه * ينزّل نورا بكرة اليوم أو غد فإن كان نورا فهو نور ورحمة * وإن كان نارا أحرقت كلّ معتد يقرّبها القسّيس من شعر ذقنه * فإن لم تحرّقها وإلّا اقطعوا يدي وسمعته يقول عن نجم الدين الكاتبي المعروف بدبيران - بفتح الدال المهملة وكسر الباء الموحدة - وهو الكاتبي صاحب التواليف البديعة في المنطق فإذا ذكره لا يقول إلّا دبيران - بضم الدال وفتح الباء - . وسمعته يقول ابن المنجس ، يريد ابن المطهّر الحلّي . وكانت سمعته في البلاد البعيدة أكثر وأكبر وأشهر ممّا هي بالشام خصوصا بلده دمشق . وكتب رسالة إلى صاحب قبرس يأمره فيها بالرفق بالأسارى المسلمين وتخفيف الوطأة عنهم ، وقصّ عليه أقوالا من كلام المسيح عليه السلام مثل قوله : من ضربك على خدك الأيمن فدر له الخدّ الأيسر ، وأشباه ذلك ، فقيل إنه خفّف عنهم وعمر لهم جامعا على ما قيل . وطلب إلى مصر أيام ركن الدين بيبرس الجاشنكير وعقد له مجلس في مقالة قال بها فطال الأمر وحكموا بحبسه فحبس بالإسكندرية ؛ ثمّ إن الملك الناصر لما جاء من الكرك أخرجه فيما أظن . ولم يزل العوامّ بمصر يعظمونه إلى أن أخذ في القول على السيدة نفيسة فأعرضوا عنه . ورأيته مرّات بمدرسة القصاعين وبالحنبليّة جوّا باب الفراديس ، وكان إذا تكلّم أغمض عينيه وازدحمت العبارة على لسانه فرأيت العجب العجيب ، والحبر الذي ما له مشاكل في فنونه ولا ضريب ، والعالم الذي أخذ من كل شيء بنصيب ، سهمه للأغراض مصيب ، والمناظر الذي إذا جال في حومة الجدال رمي الخصوم من مباحثه باليوم العصيب : وعاينت بدرا لا يرى البدر مثله * وخاطبت بحرا لا يرى العبر عائمه « 1 »
--> ( 1 ) المتنبي : ( شرح الواحدي : 382 ) .