خليل الصفدي
393
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
أحرفها ، وأبانت عن معجزات البراعة ، ومثّلت كيف ينفث السحر في تلك اليراعة ، وأبانت مجاري « 1 » ، وأفردته بالرتبة التي لا يصل إليها زيد ولا عمرو ، وعلّمته كيف يكون الإنشاء ، وإن الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء ، ووقف المملوك عليها وقوف من أفحمه الحصر ، وتطاول لمباراته فيها ولم يطل من بباعه قصر ، واستقدم قلمه جوابها فأحجم ، واستنطق لسانه ليعرب عن وصفها فأعجم ، وقال لحسنها الذي استرقّ القلوب : ملكت فأسجح ، وبلغ الغاية في عذر نفسه ومبلغ نفس عذرها مثل منجح ، ومن أين لأحد مثل تلك البديهة المتسرّعة ، والرويّة التي هي عن كلّ ما يتجنّب متورّعة ، والمعاني التي تولد منها أبكار ، أو الغرائب التي لا يقبل الدرّ من بحرها إلّا كبار ، أو الخاطر الذي يستجدى الفضلة من سماحته ، واللسان الذي يخرس الفصحاء عند فصاحته ، والقلم الذي هو مفتاح الأقاليم ، والطريق الذي من دلّ فيه ضلّ ولو أنّه عبد الحميد أو ابن العميد أو عبد الرحيم ، والألفاظ التي تشرق بها أنوار المعاني فكأنها ليلة المقمرة ، واليد التي إن لم تكن الأقلام بها مورقة فإنها مثمرة ، ومولانا حرس اللّه مجده قد أوتي ملك البيان ، واجتمع له طاعة القلم واللسان ، فخطب الأقلام ، بحمده على منابر الأعلام ، وقد أخذت له البيعة بالتقدّم على كلّ فاضل ، ولو كان الفاضل ، وأصبح محلّه منها الأسنى ، وأسماؤه فيها الحسنى ، وجاء من المحاسن بكلّ ما تزهى به الدّول ، وأصبحت طريقته في الفنون كلمة الإسلام في الملل ، وعرف بالإشارة في حلب ما صنعت فيه الأيام ، وما أشجاه من ربعها الذي لم تبق فيه بشاشة بشام ، ووقوف مولانا في أطلالها ، وملاحظته الآثار التي أعرضت السعادة عنها بعد إقبالها ، وتفجّعه في دمنها ، وتوجّعه لتلك المحاسن التي أخذت من مأمنها ، وإنّه وجدها وقد خلت من عراصها ، وزمّت للنوى قلاصها ، وغربانها في
--> ( 1 ) سقطت هنا عبارة .