خليل الصفدي

367

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

عنده . ثم ناظروه ثاني يوم وجرى ما جرى في اليوم الأول وضجروا وقاموا . فلمّا كان في اليوم الثالث أخرجوه فإذا الدار غاصّة وقوم معهم السيوف وقوم معهم السياط وغير ذلك فأقعده المعتصم وقال : ناظروه . فلما ضجروا وطال الأمر قربه المعتصم وقال له ما قال في اليوم الأول فردّ عليه أيضا كذلك . فقال : عليك ، وذكر اللعن ثم قال : خذوه واسحبوه وخلّعوه . فسحب ثم خلّع وسعى بعضهم إلى القميص ليخرقه فنهاه المعتصم فنزعه قال أحمد بن حنبل : فظننت أنّه إنّما ذرئ عن القميص لئلّا يخرق ما كان في كمّي من الشّعر الذي وصل إليّ من شعر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ثم مدّت يداه وخلعتا فجعل الرجل يضربه سوطين . فقيل له : شدّ ، قطع اللّه يدك . فيتأخّر ويتقدّم غيره فيضربه سوطين كذلك . ونخسه عجيف بسيفه وقال : تريد أن تغلب هؤلاء كلّهم ؟ وبعضهم يقول : يا أمير المؤمنين دمه في عنقي اقتله ، ولم يزل يضربه إلى أن أغمي عليه وسحب وخرج به وألقي على [ ظهره ] « 1 » بآريّة وداسوه وهو مغشيّ عليه فأفاق بعد ذلك وجيء إليه بسويق وقالوا : اشرب ، وتقيّأ فقال : لا أفطر ، وكان صائما . ثم خلّي عنه فصار إلى منزله فكان مكثه في السجن منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلّي عنه ثمانية وعشرين شهرا . وقال ابن أبي دواد : وضرب ابن حنبل نيّفا وثلاثين أو أربعة وثلاثين سوطا وكان أثر الضرب بيّنا في ظهره إلى أن توفي رضي اللّه عنه . ولم يزل بعد أن برئ يحضر الجمعة والجماعة ويفتي ويحدّث حتى مات المعتصم وولي الواثق فأظهر ما أظهر من المحنة والميل إلى ابن أبي دواد « 2 » وفي أيامه منع ابن حنبل وقال : لا يجتمعنّ إليك أحد ولا تساكنّي بأرض ولا مدينة أنا فيها فاذهب حيث شئت من أرض اللّه . فاختفى أحمد بن حنبل في غير منزله في القرب ثم عاد إليه بعد أربعة

--> ( 1 ) التكملة من مناقب ابن حنبل ص 328 . ( 2 ) ابن أبي دواد : في الأصل : ابن داود .