خليل الصفدي

107

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

عيدانا ركّبها ولعب بها فاضحك كلّ من في المجلس ثم فكّها وركّبها غير التركيب الأول وحرّكها فابكى كل من في المجلس ثم فكّها وركّبها غير ذلك التركيب ولعب بها وحرّكها فانامهم حتى البوّاب وخرج ، قلت وهذه الواقعة ممكنة من مثل أبى نصر لأنه إذا غنّى السامعين مثلا بما لابن حجاج من ذلك المجون الحلو في نغم « 1 » فان السامع يضحك وإذا غنّى باشعار متيّمى العرب والرقيق من فراقياتهم وحزنياتهم في نغم النوى وما أشبه ذلك فان السامع يبكى ، وكذا حاله إذا أراد ان يشجّع أو ان يسمّح أو غير ذلك ، وكان كثير الانفراد بنفسه ولما قدم دمشق كان يلازم غياض السفرجل وربما صنّف هناك وقد ينام فتحمل الريح تلك الأوراق وتنقلها من مكان إلى مكان ، وقيل إن السبب في وجود بعض مصنفاته فيها نقص هو ذلك لان الريح ربما اطارت تلك الأوراق بعضها من بعض وكان لا يصنّف الا في الرقاع لا في الكراريس ، وكان ازهد الناس في الدنيا واجرى عليه سيف الدولة في كل يوم أربعة دراهم ، وتوجّه من دمشق إلى مصر ثم عاد إليها وقيل إنه لما عاد من حرّان أقام ببغذاد واكبّ على مصنفات أرسطو حتى مهر واتقن الحكمة ، يقال إن نسخة وجدت لكتاب النفس لأرسطو وعليها بخط أبى نصر الفارابي : قرأت هذا الكتاب مائتي مرّة ، وكان يقول : قرأت السماع الطبيعي لأرسطو أربعين مرة وانا محتاج إلى معاودته وسئل أأنت اعلم بهذا اللسان أم أرسطو فقال لو أدركته لكنت أكبر تلامذته وقال ابن صاعد القرطبي : بذّ جميع الاسلام واربى عليهم في تحقيق الفلسفة وشرح غامضها وكشف سرّها وقرّب تناولها وهو صحيح العبارة لطيف الإشارة نبّه على ما أعيى على الكندي وغيره من صناعة التحليل وانحاء التعاليم وأوضح موادّ المنطق الخمسة وأفاد وجوه الانتفاع بها وعرّف طرق استعمالها وكيف تصرّف صور القياس في كل مادّة فجاءت كتبه في ذلك الغاية الكافية والنهاية الفاضلة انتهى ، والّف

--> ( 1 ) كذا بياض في الأصل