ابن خلكان
مقدمة 46
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
منه تعميم النبأ بين الناس . ومن الصعب أن نحصر نواحي النشاط الذي كان يقوم به ابن خلّكان أثناء هذه الفترة الشامية التي امتدت عشر سنوات كاملة : ولكن لا ريب في أن منصبه قد وصله بفئات متنوعة من الناس ، فيهم العالم والأديب وفيهم - إلى جانب النواب والعدول - كثير من أبناء الفئات الشعبية . وكان حسّ المؤرخ لديه يدفعه إلى توثيق علاقته بأناس يستطيع أن يجد لديهم الأخبار والتجارب ، وذلك كان شأنه منذ أن كان نائبا في القضاء بالقاهرة ، فهؤلاء كانوا يمثلون لديه مصادره السماعية أو الشفوية . فمن معارفه من هذا القبيل محاسن بن الصوري ( - 663 ) عريف سوق الكتب بالقاهرة ( ولا ريب في أن ابن خلكان كان ذا علاقة وثيقة بالوراقين ودلالي الكتب ) ؛ ولقد لقيه مرة في الإيوان الكبير بدار الوزارة عند البادرائي رسول الديوان فأخبره أنه دخل تلك الدار ( دار الوزارة ) في أيام شاور ورأى شاور جالسا في صدر ذلك الإيوان « 1 » . وفي دمشق كان ابن خلكان يقبل على مجلس ابن اسفنديار الواعظ ( - 676 ) وكان يحكي له الحكاية ثم يعيدها فيتمنى ابن خلكان أن لا يفرغ من حكايته وتنميقه « 2 » . وكان كثيرا ما يجلس إلى أكبر تجار دمشق الوجيه ابن سويد التكريتي ( - 630 ) ويستمع إلى أقاصيصه - فقد كان من المعمرين - ؛ وقد بلغ من منزلة الوجيه هذا أن متاجره لم يكن يتعرض لها متعرض وان كتبه كانت نافذة عند ملوك الأطراف وملوك الفرنج بالساحل ، وكان أثيرا لدى الملك الظاهر ، كما كان كثير المكارمة للأمراء والوزراء وأرباب الدولة يهاديهم ويقضي حوائجهم « 3 » وقد كان ابن سويد صديقا لابن خلكان ، وكان يعتمد على هذه الصداقة في قضاء بعض أعماله ، ومرة رأى ابن خلكان فيما يريده صديقه تجاوزا لمبدأ العدالة لديه فاعتذر ، فقال له
--> ( 1 ) ذيل الروضتين : 234 . ( 2 ) الدارس 2 : 169 . ( 3 ) انظر تفصيلات أخرى عن ابن سويد في ذيل مرآة الزمان 2 : 487 - 489 ، والمؤلف يقص عنه حكاية في الوفيات 6 : 247 .