ابن خلكان

مقدمة 24

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

صاحب السياق والزمخشري ، وغيرهما ، فكان لأحمد من بعد حقّ الرواية لما روته عن أولئك الأعلام أو أجازوه لها . واستدعى له والده أيضا إجازة أخرى من أبي الحسن المؤيد بن محمد رضي الدين النيسابوري فكتب إليه بالإجازة من خراسان في جمادى الآخرة سنة 610 أيضا « 1 » . ولقد كان من السهل أن تختلّ كل تلك الترتيبات التي اتخذها الوالد ، إذ يترك أولادا صغارا عاجزين لا عن متابعة العلم وحسب ، بل عن السعي في طلب الرزق ، لولا تلك الصداقة المتينة التي كانت تربط بين شهاب الدين وكوكبوري صاحب إربل ، فقد تولى رعاية أبناء صديقه بعد وفاته ، وإلى هذه الرعاية أشار المؤلف - من بعد - بقوله في ترجمة مظفر الدين : « وليعذر الواقف على هذه الترجمة ففيها تطويل ، ولم يكن سببه إلا ما له علينا من الحقوق التي لا نقدر على القيام بشكر بعضها ولو عملنا مهما عملناه ، وشكر المنعم واجب ، فجزاه اللّه أحسن الجزاء ، فكم له علينا من الأيادي ولا سلافه على أسلافنا من الأنعام ، والإنسان صنيعة الاحسان » « 2 » . ولهذا استطاع أحمد أن ينصرف إلى طلب العلم في إربل ، وكان أحمد بن كمال الدين بن منعة قد خلف والده شهاب الدين في التدريس بالمظفرية سنة 610 ( وصل إليها في أوائل شوال من ذلك العام ) ، وكان شرف الدين ابن منعة من أوائل الأساتذة الذين تلقى أحمد العلم منهم ، إذ كان يحضر دروسه وهو صغير ، فما سمع أحدا يلقي الدروس مثله ، وكان لهذا الأستاذ أثر بالغ في نفس ذلك الفتى حينئذ ، ولشدة تأثره به قال : « ولقد كان من محاسن الوجود ، وما أذكره إلا وتصغر الدنيا في عينيّ » « 3 » ؛ ومع ذلك فإنه لم ينس أن هذا الأستاذ العظيم في نفسه استعار من أسرته ( بني خلكان ) كتاب التنبيه ليشرحه ، فوجد على حواشي النسخة التي استعارها تعليقات كثيرة بخط الشيخ رضي

--> ( 1 ) الوفيات 5 : 345 . ( 2 ) الوفيات 4 : 120 . ( 3 ) الوفيات 1 : 109 .