ابن خلكان

8

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

ويجعل البرّ قمحا في تصرّفه * وخالف الراء حتى احتال للشّعر ولم يطق مطرا ، والقول يعجله ، * فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر وممّا يحكى عنه ، وقد ذكر « 1 » بشار بن برد ، فقال : أما لهذا الأعمى المكتني « 2 » بأبي معاذ من يقتله ؟ أما واللّه لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه ، ثم لا يكون إلا سدوسيا أو عقيليا ، فقال : هذا الأعمى ، ولم يقل بشار ولا ابن برد ولا الضرير ، وقال : من أخلاق الغالية ، ولم يقل المغيرية ولا المنصورية ، وقال : لبعثت ، ولم يقل لأرسلت ، وقال : على مضجعه ، ولم يقل على مرقده ولا على فراشه ، وقال : يبعج ، ولم يقل يبقر ، وذكر بني عقيل لأن بشارا كان يتوالى إليهم ، وذكر بني سدوس لأنّه كان نازلا فيهم . وذكر السمعاني في كتاب « الأنساب » « 3 » في ترجمة المعتزلي أن واصل بن عطاء كان يجلس إلى الحسن البصري رضي اللّه عنه ، فلما ظهر الاختلاف وقالت الخوارج بتكفير مرتكبي الكبائر وقالت الجماعة بأنهم مؤمنون وإن فسقوا بالكبائر ، فخرج واصل بن عطاء عن الفريقين وقال : إن الفاسق من هذه الأمّة لا مؤمن ولا كافر ، منزلة بين منزلتين ، فطرده الحسن عن مجلسه فاعتزل عنه ، وجلس إليه عمرو بن عبيد ، فقيل لهما ولأتباعهما : معتزلون - وقد أحلت في ترجمة عمرو بن عبيد على هذا الموضع في تبيين الاعتزال ولأي معنى سموا بهذا الاسم ، وقد ذكرت في ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي أنّه الذي سماهم بذلك - . وكان واصل بن عطاء المذكور يضرب به المثل في إسقاطه حرف الراء من كلامه ، واستعمل الشعراء ذلك في شعرهم كثيرا ، فمنه قول أبي محمد الخازن من جملة قصيدة طنانة طويلة يمدح بها الصاحب أبا القاسم إسماعيل بن عبّاد - المقدم ذكره - وهو :

--> ( 1 ) ن ص ع ق بر من : وذكر ، وكذلك في المبرد . ( 2 ) بر من : المكني . ( 3 ) انظر اللباب 3 : 156 .