ابن خلكان

77

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

بخّر بالعود والند ، ودفئت « 1 » بأصناف الفراء ساعة ، فعطست وتحركت وقعدت وخرجت ماشية مع أهلها إلى منزلها . ومنها : أنّه أتي مرّة بمريض « 2 » يعرق دما في زمن الصيف ، فسأل تلاميذه قدر خمسين نفسا ، فلم يعرفوا المرض ، فأمره بأكل خبز شعير مع باذنجان مشويّ ، ففعل ذلك ثلاثة أيام ، فبرئ ، وسأله أصحابه عن العلة ، فقال : إن دمه قد رق ومسامّه قد انفتحت ، وهذا الغذاء من شأنه تغليظ الدم وتكثيف المسام . ومن مروءته أن ظهر داره كان يلي المدرسة النظامية ، فإذا مرض فقيه نقله إليه وقام في مرضه عليه ، فإذا أبلّ وهب له دينارين وصرفه . ( 304 ) وذكر شيخنا موفق الدين قبل هذا أن ولد أمين الدولة المذكور كان شيخه وانتفع به ، وكان شيخا قد ناهز ثمانين سنة ، ولديه تجربة فاضلة وغوص على أسرار الطبيعة ، يرى الأمراض كأنّها من وراء زجاج ، لا يعتريه فيها ولا في مداواتها شك ، وكان أكثر ما يصف المفردات أو ما يقل تركيبه ، ولم أر من يستحق اسم الطب غيره . وكان يقول : ينبغي للعاقل أن يختار من اللباس ما لا تحسده عليه العامة ، ولا تحتقره فيه الخاصة ، وكذا كان لباسه الأبيض الرفيع . ثم قال : وخنق في دهليز داره الثلث الأول من الليل ، وكان قد أسلم قبل موته ، وفي نفسي عليه « 3 » حسرات ، رحمه اللّه تعالى ؛ نقلته ملخصا .

--> ( 1 ) ر ن : ودثرت . ( 2 ) ص ر ن : ودخل اليه رجل مترف . ( 3 ) ن ص ر : منه .