ابن خلكان
19
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
فلا تحسبي أنّي تناسيت عهده * ولكن صبري يا أميم جميل ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا * نديما صفاء : مالك وعقيل هذه خلاصة حديثهم ، وإن كان فيه طول ، وإنّما قصدت الإيجاز . وذكر أبو علي القالي في كتابه الذي جعله ذيلا على أماليه « 1 » أن متمما المذكور قدم على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وكان به معجبا ، فقال : يا متمم ، ما يمنعك من الزواج لعل اللّه تعالى أن ينشر منك ولدا ، فإنّكم أهل بيت قد درجتم ؟ فتزوج امرأة من أهل المدينة ، فلم تحظ عنده ولم يحظ عندها ، فطلقها ثم قال : أقول لهند حين لم أرض عقلها : * أهذا دلال العشق ، أم أنت فارك ؟ أم الصرم تهوين « 2 » فكلّ مفارق * عليّ يسير بعد ما بان مالك فقال له عمر رضي اللّه عنه : ما تنفك تذكر مالكا على كل حال ، فلم يمض على هذا الأمر إلا قليل حتى طعن عمر رضي اللّه عنه ، ومتمم بالمدينة ، فرثى عمر رضي اللّه عنه « 3 » . وبالجملة فإنّه لم ينقل عن أحد من العرب ولا غيرهم أنّه بكى على ميته ما بكى متمم على أخيه مالك . حكى الواقدي في كتاب « الردة » أن عمر رضي اللّه عنه قال لمتمم : ما بلغ من حزنك على أخيك ؟ فقال له : لقد مكثت سنة لا أنام بليل حتى أصبح ، ولا رأيت نارا رفعت بليل إلا ظننت نفسي ستخرج ، أذكر بها نار أخي ، كان يأمر بالنار فتوقد حتى يصبح مخافة أن يبيت ضيفه قريبا منه ، فمتى يرى النار يأوي إلى الرحل ، ولهو بالضيف يأتي مجتهدا أسرّ من القوم يقدم عليهم القادم لهم من السفر البعيد ، فقال عمر رضي اللّه عنه : أكرم به . وحكى الواقدي أيضا أنّه قال له : ما لقيت على أخيك من الحزن والبكاء ؟ قال : كانت عيني هذه قد ذهبت ، وأشار إليها ، فبكيت بالصحيحة وأكثرت
--> ( 1 ) ذيل الأمالي : 178 . ( 2 ) ذيل الأمالي : ما تهوى . ( 3 ) أورد القالي من رثائه لعمر ثلاثة أبيات .