ابن خلكان

16

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

ولنعم حشو الدرع كان وحاسرا * ولنعم مأوى الطارق المتنوّر لا يمسك الفحشاء تحت ثيابه * حلو شمائله عفيف المئزر ثم بكى وانحط على سية قوسه ، فما زال يبكي حتى دمعت عينه العوراء ، فقام إليه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فقال : لوددت أنّك رثيت زيدا أخي بمثل ما رثيت به مالكا أخاك ، فقال : يا أبا حفص ، واللّه لو علمت أن أخي صار بحيث صار أخوك ما رثيته ، فقال عمر رضي اللّه عنه : ما عزاني أحد عن أخي بمثل تعزيته . وكان زيد بن الخطاب رضي اللّه عنه قتل شهيدا يوم اليمامة ، وكان عمر رضي اللّه عنه يقول : إنّي لأهش « 1 » للصّبا لأنها تأتيني من ناحية أخي زيد ، ويروى عن عمر رضي اللّه عنه أنّه قال : لو كنت أقول الشعر كما تقول لرثيت أخي كما رثيت أخاك . ويروى أن متمما رثى زيدا فلم يجد ، فقال له عمر رضي اللّه عنه : لم ترث زيدا كما رثيت مالكا ، فقال : إنّه واللّه ليحركني « 2 » لمالك ما لا يحركني لزيد . وقال له عمر رضي اللّه عنه يوما : إنك لجزل فأين كان أخوك منك ، فقال : كان واللّه أخي في الليلة ذات الأزيز والصّرّاد يركب الجمل الثّفال ، ويجنب الفرس الجرور ، وفي يده الرمح الثقيل ، وعليه الشملة الفلوت ، وهو بين المزادتين ، حتى يصبح وهو متبسم . والأزيز : بفتح الهمزة وزاءين الأولى منهما مكسورة وبينهما ياء مثناة من تحتها ، صوت الرعد . والصّرّاد ، بضم الصاد المهملة وتشديد الراء وفتحها وبعد الألف دال مهملة ، غيم رقيق لا ماء فيه . والثّفال : بفتح الثاء المثلثة والفاء ، وهو الجمل البطيء في سيره لا يكاد يمشي من ثقله . والجرور : بفتح الجيم على وزن فعول ، الفرس الذي يمنع القياد . والشملة الفلوت : التي لا تكاد تثبت على لابسها .

--> ( 1 ) ن ص ق : أهش . ( 2 ) ر ن ع بر من ص : يحركني .