ابن خلكان

108

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وممّا حضره ، وخرجت من عنده ، فضمني الليل إلى خباء ، فسلمت ، فردت صاحبة الخباء السلام وقالت : من الرجل ؟ فقلت : ضيف ، فقالت : مرحبا بك حياك اللّه وعافاك ، فنزلت ، ثم عمدت إلى بر فطحنته وعجنته ، ثم خبزته خبزة روّتها بالزبد واللبن ، ثم وضعته بين يدي فقالت : كل واعذر ، فلم ألبث أن أقبل أعرابي كريه الوجه ، فسلم فرددت عليه السلام ، فقال : من الرجل ؟ قلت : ضيف ، قال : وما يصنع الضيف عندنا ، ثم دخل إلى أهله ، فقال : أين طعامي ؟ فقالت : أطعمته الضيف ، فقال : أتطعمين الضيف طعامي ، فتجاريا الكلام « 1 » ، فرفع عصاه وضرب بها رأسها فشجها ، فجعلت أضحك ، فخرج إليّ فقال : ما يضحكك ؟ قلت : خير ، فقال : واللّه لتخبرني ، فأخبرته بقضية « 2 » المرأة والرجل اللذين نزلت عندهما قبله ، فأقبل علي وقال : إن هذه التي عندي هي أخت ذلك الرجل ، وتلك التي عنده أختي . فبت ليلتي متعجبا وانصرفت . ويقرب من هذه الحكاية ما روي أن رجلا من الأولين كان يأكل وبين يديه دجاجة مشوية ، فجاءه سائل فرده خائبا ، وكان الرجل مترفا فوقع بينه وبين امرأته فرقة ، وذهب ماله ، وتزوجت امرأته ، فبينما الزوج الثاني يأكل وبين يديه دجاجة مشوية جاءه سائل فقال لامرأته : ناوليه الدجاجة ، فناولته ، ونظرت إليه فإذا هو زوجها الأول ، فأخبرته بالقصة ، فقال الزوج الثاني : أنا واللّه ذلك المسكين الأول الذي خيبني ، فحوّل اللّه نعمته وأهله إليّ لقلة شكره « 3 » . وحكى الهيثم أيضا قال : صار سيف عمرو بن معديكرب الزبيدي الذي كان يسمى بالصمصامة إلى موسى الهادي بن المهدي ، وكان عمرو قد وهبه لسعيد ابن العاص الأموي ، فتوارثه ولده ، إلى أن مات المهديّ واشتراه موسى الهادي منهم بمال جليل ، وكان من أوسع بني العباس كفا وأكثرهم عطاء ، فجرد الصمصامة وجعلها بين يديه وأذن للشعراء فدخلوا عليه ، ودعا بمكتل فيه بدرة ، وقال : قولوا في هذا السيف ، فبدر ابن يامين البصري وأنشد :

--> ( 1 ) ص ن : بالكلام . ( 2 ) ص ر : بقصة . ( 3 ) هذه القصة لم ترد في : ع بر من .