ابن خلكان

102

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وأبي جعفر المنصور - أنفذ إلى ابن أخيه السفاح في أول ولايتهم مشيخة من أهل الشام يطرفه بعقولهم واعتقادهم ، وأنهم حلفوا أنهم ما علموا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرابة يرثونه غير بني أميّة حتى وليتم أنتم . ونقلت منه أيضا حكاية وإن كانت سخيفة لكنها ظريفة ، ولا بد في المجاميع من الإحماض ، ومزج الهزل بالجد ، والحكاية المذكورة هي « 1 » : أن أبا سعيد ماهك ابن بندار المجوسي الرازي كان من كبار كتاب الديلم المشهور تجلّفهم « 2 » ، الشائعة فيه أخبارهم ، وكان يكتب لعلي بن سامان أحد قواد الديلم ، فأراد الوزير أبو محمد المهلبي أن ينفذ ماهك في بعض الخدم فقال له ، وقد أراد الخروج من عنده : يا أبا سعيد ، لا تبرح من الدار حتى أوقفك على شيء أريده معك ، فقال : السمع والطاعة لأمر سيدنا الوزير ، ونهض من بين يديه ، فقال الوزير : هذا رجل مجنون ، وربما طال بي الشغل وضاق صدره فانصرف ، فتقدموا إلى البواب أن لا يدعه يخرج من الباب ، فجلس ماهك طويلا ، وأراد دخول الخلاء ، فقام يطلب ذلك فرأى الأخلية مقفلة ، وكان قد تقدم الوزير بذلك ، وقال : كانت دار أبي جعفر الصيمري منتنة الرائحة لأجل خلاء كان بها لعامة الناس . فوجد ماهك الخلاء الخاص غير مقفل ، وعليه ستر مسبل ، فرفع الستر ليدخل ، فجاء الفراش فمنعه ودفعه « 3 » ، فقال : يا هذا أليس هذا خلاء ؟ فقال : بلى ، فقال : أريد أن أعمل فيه حاجتي فلم تمنعني ؟ قال : هذا خلاء خاص لا يدخله غير الوزير ، قال : فبقية الأخلية مقفلة ، فكيف أعمل وقد جئت أخرج فمنعني البواب فأخرى في ثيابي ؟ فقال الفراش : استأذن في دخول الخلاء « 4 » ليتقدم لك بذلك ويفتح لك أحد الأخلية فتقضي حاجتك ، فاشتد به الأمر ، فكتب إلى الوزير رقعة وقال فيها : قد احتاج عبد سيدنا الوزير ماهك إلى بعض ما يحتاج إليه الناس

--> ( 1 ) المصدر السابق : 322 . ( 2 ) هذه القراءة غير قاطعة لأن النسخ أوردت اللفظة غير كاملة الإعجام . ( 3 ) ر : فدفعه ومنعه . ( 4 ) ع ن بر من : خلاء .