ابن خلكان

61

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

قال إبراهيم الحربي : كان أبو عبيد كأنه جبل نفخ فيه الروح يحسن كل شيء . وولي القضاء بمدينة طرسوس ثماني عشرة سنة ، وروى عن أبي زيد الأنصاري والأصمعي وأبي عبيدة وابن الأعرابي والكسائي والفراء وجماعة كثيرة غيرهم ، وروى الناس من كتبه المصنفة بضعة وعشرين كتابا في القرآن الكريم والحديث وغريبه والفقه وله « الغريب المصنف » و « الأمثال » و « معاني الشعر » وغير ذلك من الكتب النافعة . ويقال إنه أول من صنف في غريب الحديث . وانقطع إلى عبد اللّه بن طاهر مدة ، ولما وضع كتاب « الغريب » عرضه على عبد اللّه بن طاهر ، فاستحسنه وقال : إن عقلا بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب حقيق ألا يحوج « 1 » إلى طلب المعاش ، وأجرى عليه عشرة آلاف درهم في كل شهر . وقال محمد بن وهب المسعري : سمعت أبا عبيد يقول : كنت في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة ، وربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضعها في موضعها من الكتاب ، فأبيت ساهرا فرحا مني بتلك الفائدة ، وأحدكم يجيئني فيقيم أربعة خمسة أشهر فيقول : قد أقمت كثيرا . وقال الهلال بن العلاء الرقي : منّ اللّه تعالى على هذه الأمة بأربعة في زمانهم : بالشافعي تفقه في حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة ولولا ذاك لكفر الناس ، وبيحيى بن معين نفى الكذب عن حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبأبي عبيد القاسم بن سلّام فسر غريب الحديث ولولا ذاك لاقتحم الناس الخطأ . وقال أبو بكر ابن الأنباري : كان أبو عبيد يقسم الليل أثلاثا فيصلي ثلثه وينام ثلثه ويضع الكتب ثلثه . وقال إسحاق بن راهويه : أبو عبيد أوسعنا علما وأكثرنا أدبا وأجمعنا جمعا ، إنا نحتاج إلى أبي عبيد وأبو عبيد لا يحتاج إلينا . وقال ثعلب : لو كان أبو عبيد في بني إسرائيل لكان عجبا . وكان يخضب بالحناء ، أحمر الرأس واللحية ، وكان له وقار وهيبة . وقدم بغداد فسمع الناس منه كتبه . ثم حج وتوفي بمكة ، وقيل بالمدينة بعد الفراغ

--> ( 1 ) ر : على أن لا يخرج .