ابن خلكان
28
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
انتقلت عني نعمة صارت إليه ، ولا غربت عني رتبة طلعت عليه » فقال جعفر : للّه أخي ما أنفس نفسه ، وأبين دلائل الفضل عليه ، وأقوى منة العقل فيه ، وأوسع في البلاغة ذرعه . وكان الرشيد قد جعل ولده محمدا في حجر الفضل بن يحيى ، والمأمون في حجر جعفر ، فاختص كل واحد منهما بمن في حجره ، ثم إن « 1 » الرشيد قلد الفضل بعمل خراسان ، فتوجه إليها وأقام بها مدة ، فوصل كتاب صاحب البريد بخراسان إلى الرشيد ويحيى جالس بين يديه ومضمون الكتاب أن الفضل بن يحيى متشاغل بالصيد وإدمان اللذات عن النظر في أمور الرعية ، فلما قرأه الرشيد رمى به إلى يحيى ، وقال له : يا أبت ، اقرأ هذا الكتاب واكتب إليه بما يردعه عن هذا ، فكتب يحيى على ظهر كتاب صاحب البريد : « حفظك اللّه يا بني وأمتع بك ، قد انتهى إلى أمير المؤمنين مما أنت عليه من التشاغل « 2 » بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره ، فعاود ما هو أزين بك ، فإنه من عاد إلى ما يزينه أو يشينه لم يعرفه أهل دهره إلا به ، والسلام » وكتب في أسفله هذه الأبيات : انصب نهارا في طلاب العلا * واصبر على فقد لقاء الحبيب حتى إذ الليل أتى مقبلا * واستترت فيه وجوه العيوب فكابد الليل بما تشتهي * فإنما الليل نهار الأريب كم من فتى تحسبه ناسكا * يستقبل الليل بأمر عجيب غطّى عليه الليل أستاره * فبات في لهو وعيش خصيب ولذة الأحمق مكشوفة * يسعى بها كلّ عدو رقيب والرشيد ينظر إلى ما يكتب « 3 » ، فلما فرغ قال : أبلغت يا أبت ، فلما ورد
--> ( 1 ) وكان الرشيد . . . ثم إن : ورد في ر م والمختار ؛ وجاء في سائر النسخ : وكان الرشيد قد ولاه خراسان وأقام بها مدة . . . الخ . ( 2 ) ر : التغافل . ( 3 ) ن : ما كتب ، وسقطت من لي .