ابن خلكان

373

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

ضخمة لبسها بنوه من بعده زمانا . وكان يستعظم أدب المؤيد باللّه أيام صباه ويصف رجاحته وحجاه ، ويزعم أنه لم يجالس قط من أبناء العظماء من أهل بيته وغيره في مثل سنه أذكى منه ولا أحضر يقظة وألطف حسا وأرزن حلما ، وذكر عنه حكايات عجيبة . وكان الزبيدي المذكور شاعرا كثير الشعر ، فمن ذلك قوله في أبي مسلم ابن فهر : أبا مسلم إنّ الفتى بجنانه * ومقولة لا بالمراكب واللبس وليس ثياب المرء تغني قلامة * إذا كان مقصورا على قصر النفس وليس يفيد العلم والحلم والحجا * أبا مسلم طول القعود على الكرسي وكان في صحبة الحكم المستنصر ، وترك جاريته بإشبيلية فاشتاق إليها ، فاستأذنه في العود إليها فلم يأذن له ، فكتب إليها : ويحك يا سلم لا تراعي * لا بدّ للبين من زماع لا تحسبيني صبرت إلا * كصبر ميت على النزاع ما خلق اللّه من عذاب * أشدّ من وقفة الوداع ما بينها والحمام فرق * لولا المناجاة والنواعي إن يفترق شملنا وشيكا * من بعد ما كان ذا اجتماع فكلّ شمل إلى فراق * وكلّ شعب إلى انصداع وكلّ قرب إلى بعاد * وكلّ وصل إلى انقطاع وكان كثيرا ما ينشد : الفقر في أوطاننا غربة * والمال في الغربة أوطان والأرض شيء كلها واحد * والناس إخوان وجيران وكان قد قيد الأدب واللغة على أبي علي البغدادي المعروف بالقالي - المقدم ذكره « 1 » - لما دخل الأندلس ، وسمع من قاسم بن أصبغ وسعيد بن فحلون وأحمد

--> ( 1 ) انظر ج 1 : 226 .