ابن خلكان
363
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
فغبر جاريا على هذه الوتيرة مدة مديدة أجررته رسن البغي فيها ، فظل يمرح في تيهه حتى إذا تخيل أنه السابق الذي لا يجارى في مضمار ولا يساوى عذاره بعذار ، وأنه رب الكلام ومقتضّ عذارى الألفاظ ، ومالك رق الفصاحة نثرا ونظما وقريع دهره الذي لا يقارع فضلا وعلما ، وثقلت وطأته على كثير مما وسم نفسه بميسم الأدب ، وأنبط من مائه أعذب مشرب ، فطأطأ بعض رأسه وخفض بعض جناحه وطامن على التسليم له طرفه ، وساء معز الدولة أحمد بن بويه - المقدم ذكره « 1 » - وقد صورت حاله ، أن يرد حضرته وهي دار الخلافة ومستقر العز وبيضة الملك رجل صدر عن حضرة سيف الدولة بن حمدان - وقد تقدم ذكره أيضا - وكان عدوا مباينا لمعز الدولة ، فلا يلقى أحدا بمملكته يساويه في صناعته ، وهو ذو النفس الأبية والعزيمة الكسروية ، والهمة التي لو همت بالدهر لما تصرفت بالأحرار صروفه ولا دارت عليهم دوائره « 2 » ، وتخيل الوزير المهلبي ، رجما بالغيب ، أن أحدا لا يستطيع مساجلته ولا يرى نفسه كفؤا له ولا يضطلع بأعبائه فضلا عن التعلق بشيء من معانيه ، وللرؤساء مذاهب في تعظيم من يعظمونه وتفخيم من يفخمونه وتكرمة من يراعونه ويكرمونه ، وربما حالت بهم الحال وأوشكوا عن هذه الخليقة الانتقال ، وتلك صورة الوزير المهلبي في عوده عن رأيه هذا فيه ، ولم يكن هناك مزية يتميز بها أبو الطيب عن الهجين الجذع من أبناء الأدب فضلا عن العتيق القارح إلا الشعر ، ولعمري إن أفنانه كانت فيه رطبة ومجانيه عذبة ، فنهدت له متتبعا عواره ومقلما أظفاره ومذيعا أسراره ، وناشرا مطاويه ومنتقدا من نظمه ما تسمّح فيه ، ومتحيّنا أن تجمعنا دار يشار إلى ربها فأجري أنا وهو في مضمار يعرف به السابق من المسبوق واللاحق من المقصر عن اللحوق ، وكنت إذ ذاك ذا سحاب مدرار وزند في كل فضيلة وار ، وطبع يناسب صفو العقار إذا وشيت بالحباب ووشت بها سرائر الأكواب ، هذا وغدير الصبا صاف ورداؤه ضاف ، وديباجة العيش غضة وأرواحه معتلة وغمائمه منهلة ، وللشبيبة شرّة وللاقبال من الدهر غرة ، والخيل
--> ( 1 ) انظر ج 1 : 174 . ( 2 ) ر : دوائره وحتوفه .