ابن خلكان

346

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

والدخول بيني وبين هؤلاء يا مكدي ؟ فقال : لا تنكر على ابن ثمانين قد ذهب بصره وجفاه سلطانه أن يعوّل على إخوانه فيأخذ من أموالهم ، ولكن أشد من هذا من يستنزل الماء من أصلاب الرجال فيستفرغه في جوفه ، فيقطع أنسابهم ويعظم أوزارهم ، فقال ابن ثوابة : ما تساب اثنان إلا غلب ألأمهما ، فقال أبو العيناء : وبها غلبت أبا الصقر بالأمس ، فأسكته . ودخل على المتوكل في قصره المعروف بالجعفري سنة ست وأربعين ومائتين فقال له : ما تقول في دارنا هذه ؟ فقال : إن الناس بنوا الدور في الدنيا وأنت بنيت الدنيا في دارك ، فاستحسن كلامه ، ثم قال له : كيف شربك للخمر ؟ قال : أعجز عن قليله وأفتضح عند كثيره ، فقال له : دع هذا عنك ونادمنا ، فقال : أنا رجل مكفوف ، وكل من في مجلسك يخدمك ، وأنا أحتاج أن أخدم « 1 » ولست آمن من أن تنظر إلي بعين راض ، وقلبك علي غضبان ، أو بعين غضبان وقلبك راض ، ومتى لم أميز بين هذين هلكت ، فأختار العافية على التعرض للبلاء ، فقال : بلغنا عنك بذاء في لسانك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قد مدح اللّه تعالى وذم ، فقال نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( ص : 44 ) وقال عز وجل هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ( القلم : 11 ) وقال الشاعر : إذا أنا بالمعروف لم أثن صادقا * ولم أشتم النّكس اللئيم المذمما ففيم عرفت الخير والشر باسمه * وشقّ لي اللّه المسامع والفما قال : فمن أين أنت ، قال : من البصرة ، قال : فما تقول فيها ؟ قال : ماؤها أجاج وحرها عذاب ، وتطيب في الوقت الذي تطيب فيه جهنم . ولما سلم نجاح بن سلمة إلى موسى بن عبد اللّه الأصبهاني ليستأدي ما عليه من الأموال عاقبه فتلف في مطالبته ، وذلك في يوم الاثنين لثمان بقين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائتين ، وفي تلك الليلة بلغ المعتز باللّه ابن المتوكل الخبر « 2 » ، فاجتمع بعض الرؤساء بأبي العيناء ، فقال له : ما عندك من خبر نجاح

--> ( 1 ) ق : وأنا أحتاج إلى من يخدمني . ( 2 ) وذلك . . . الخبر : سقط من س بر من ل لي ت ؛ ق : الحكم .