ابن خلكان

17

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

[ وقال أبو عمرو ، قال جرير : لو خرس ذو الرمة بعد قوله قصيدته التي أولها : ما بال عينك منها الماء ينسكب كان أشعر الناس ؛ وقال أبو عمرو : سمعت ذا الرمة يقول : إذا نزل بنا نازل قلنا له : الحليب أحبّ إليك أم المخيض ؟ فإن قال المخيض ، قلنا : عبد من أنت ؟ وإن قال الحليب ، قلنا : ابن من أنت ؟ وقال أبو عمرو : شعر ذي الرمة نقط عروس يضمحل عن قليل ، وأبعار ظباء لها شمّ في أول رائحة ، ثم يعود إلى البعر . وبالجملة فقد كان من مشاهير الشعراء في عصره ، وذوي التقدم في النظم في دهره ، رحمه اللّه تعالى . وذكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتاب « اعتلال القلوب » عن محمد ابن سلمة الضبي قال : حججت ، فلما صدرت من الحج تيممت منهلا من المناهل ، وإذا بيت بناحية من الطريق ، فأنخت بفنائه ، فقلت : أنزل ؟ فقالت ربة البيت : نعم ، فقلت : وأدخل ؟ قالت : أجل ، فدخلت فإذا جارية أحسن من الشمس ، فجلست أحدثها وكأنّ الدر ينثر من فيها ، فبينا أنا كذلك إذ خرجت عجوز مؤتزرة بعباءة مشتملة بأخرى ، فقالت : يا عبد اللّه ، ما جلوسك هاهنا عند هذا الغزال النجدي الذي لا تأمن حباله ، ولا ترجو نواله ؟ فقالت لها الجارية : أي جدة دعيه يتعلل كما قال ذو الرمة « 1 » : فإن لا يكن إلا تعلّل ساعة * قليلا فإني نافع لي قليلها قال : فأقمت يومي وانصرفت ، وفي قلبي كجمر الغضا من حبها ] « 2 » .

--> ( 1 ) ديوانه : 550 . ( 2 ) انفردت ر بما بين معقفين ، ومعظمه في المختار ، وأكثر ما سيرد بين معقفين إنما هو مما تنفرد به ر . 2 - 4