ابن خلكان
268
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات الزاهد هل يؤذن له ؟ فقال الجبائي : لا ، لأنه يقال له : إن أخاك إنما وصل إلى هذه الدرجات بسبب طاعاته الكثيرة ، وليس لك تلك الطاعات ، فقال الأشعري : فإن قال ذلك الصغير : التقصير ليس مني ، فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة ، فقال الجبائي : يقول الباري جل وعلا : كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت وصرت مستحقا للعذاب الأليم ، فراعيت مصلحتك ، فقال الأشعري : فلو قال الأخ الكافر : يا إله العالمين ، كما علمت حاله فقد علمت حالي ، فلم راعيت مصلحته دوني ؟ [ فقال الجبائي للأشعري : إنك مجنون ، فقال : لا ، بل وقف حمار الشيخ في العقبة ] « 1 » فانقطع الجبائي . وهذه المناظرة دالة على أن اللّه تعالى خص من شاء برحمته ، وخص آخر بعذابه ، وأن أفعاله غير معللة بشيء من الأغراض « 2 » . ثم وجدت في تفسير القرآن العظيم تصنيف الشيخ فخر الدين الرازي في سورة الأنعام : أن الأشعري لما فارق مجلس الأستاذ « 3 » الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله عظمت الوحشة بينهما ، فاتفق يوما أن الجبائي عقد مجلس التذكير ، وحضر عنده عالم من الناس ، فذهب الأشعري إلى ذلك المجلس ، وجلس في بعض النواحي مختفيا عن الجبائي ، وقال لبعض من حضره « 4 » من النساء : أنا أعلمك مسألة فاذكريها لهذا الشيخ ، ثم علمها سؤالا بعد سؤال ، فلما انقطع الجبائي في الأخير رأى الأشعري ، فعلم أن المسألة منه لا من العجوز . ورأيت في كتاب « المسالك والممالك » لابن حوقل « 5 » في فصل خوزستان أن جبّى مدينة ورستاق عريض مشتبك العمائر « 6 » بالنخل وقصب السكر وغيرهما . قال : ومنها أبو علي الجبائي الشيخ الجليل إمام المعتزلة ورئيس المتكلمين في عصره .
--> ( 1 ) انفردت به س . ( 2 ) ل س ت والمختار : الأعراض ؛ ن : معللة بالأعراض . ( 3 ) ر : أستاذه . ( 4 ) ر : حضر هناك . ( 5 ) صورة الأرض : 231 . ( 6 ) ابن حوقل : ولها رستاق . . . العمارة .