ابن خلكان

182

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وهو أحد الفقهاء من أهل البصرة ، والمذكور بالورع في وقته . وقدم المدائن على عبيدة السلماني وقال : صليت معه ، فلما قضى صلاته دعا بغداء ، فأتي بخبز ولبن وسمن فأكل وأكلنا معه ، ثم جلسنا حتى حضرت العصر ، ثم قام عبيدة فأذن وأقام ، ثم صلى بنا العصر ولم يتوضأ لا هو ولا أحد ممن أكل معنا فيما بين الصلاتين . وكان محمد المذكور صاحب الحسن البصري ثم تهاجرا في آخر الأمر ، فلما مات الحسن لم يشهد ابن سيرين جنازته . وكان الشعبي يقول : عليكم بذلك الرجل الأصم ، يعني ابن سيرين ، لأنه كان في أذنه صمم . وكانت له اليد الطّولى في تعبير الرؤيا . وكانت ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ؛ وتوفي تاسع شوال يوم الجمعة سنة عشر ومائة بالبصرة ، بعد الحسن البصري بمائة يوم ، رضي اللّه عنهما . وكان بزازا ، وحبس بدين كان عليه ، وولد له ثلاثون ولدا من امرأة واحدة عربية « 1 » ولم يبق منهم غير عبد اللّه ، ولما مات كان عليه ثلاثون ألف درهم دينا فقضاها ولده عبد اللّه ، فما مات عبد اللّه حتى قوّم ماله بثلاثمائة ألف درهم . وكان محمد المذكور كاتب أنس بن مالك بفارس . وكان الأصمعي يقول : الحسن البصري سيد سمح وإذا حدّث الأصم بشيء - يعني ابن سيرين - فاشدد يديك ، وقتادة حاطب ليل . قال ابن عوف : لما مات أنس بن مالك أوصى أن يصلي عليه ابن سيرين ويغسله ، قال : وكان ابن سيرين محبوسا ، فأتوا الأمير - وهو رجل من بني أسد - فأذن له ، فخرج فغسله وكفنه وصلى عليه في قصر أنس بالطّفّ ، ثم رجع فدخل كما هو إلى السجن ، ولم يذهب إلى أهله . قلت : وذكر عمر بن شبة في كتاب « أخبار البصرة » أن الذي غسّل أنس بن مالك هو قطن بن مدرك الكلابي والي البصرة ، وكذلك قال أبو اليقظان « 2 » .

--> ( 1 ) زاد في المطبوعة المصرية : وإحدى عشرة بنتا ؛ ولم ير ذلك في النسخ الخطية . ( 2 ) قال ابن عوف . . . اليقظان : ورد في ر ، وبشيء يسير من الإيجاز في المختار .