ابن خلكان

110

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وحدث « 1 » أبو الفرج الأصبهاني صاحب كتاب « الأغاني » « 2 » أن كثيرا خرج من عند عبد الملك بن مروان وعليه مطرف ، فاعترضته عجوز في الطريق اقتبست نارا في روثة ، فتأفف كثيّر في وجهها ، فقالت : من أنت ؟ قال : كثيّر عزة ، فقالت : ألست القائل : فما روضة زهراء طيبة الثّرى * يمجّ الندى جثجاثها وعرارها بأطيب من أردان عزة موهنا * إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها فقال لها كثيّر : نعم ، فقالت : لو وضع المندل الرطب على هذه الروثة لطيّب رائحتها ، هلا قلت كما قال امرؤ القيس : ألم ترياني كلما جئت طارقا * وجدت بها طيبا وإن لم تطيب فناولها المطرف وقال : استري عليّ هذا . [ وسمعت بعض مشايخ الأدب في زمن اشتغالي بالأدب يقول : إن النصف الثاني من البيت الثاني من تتمة أوصاف الروضة أيضا ، فكأنه قال : إن هذه الروضة الطيبة الثرى التي يمج الندى جثجاثها وعرارها إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها ما هي بأطيب من أردان عزة وعلى هذا لا يبقى عليه اعتراض ، لكنه يبعد أن يكون هذا مقصوده ] « 3 » . وكان كثيّر « 4 » ينسب إلى الحمق ، ويروى أنه دخل يوما على يزيد بن عبد الملك فقال : يا أمير المؤمنين ، ما يعني الشماخ بقوله : إذا الأرطى توسّد أبرديه * خدود جوازىء بالرمل عين « 5 »

--> ( 1 ) ر : وقال . ( 2 ) الأغاني 15 : 225 . ( 3 ) ما بين معقفين لم يرد إلا في المختار ، وقد أثبتناه كذلك للتنبيه إليه وإلا فإنه من أصل المؤلف ، ولا بد . ( 4 ) الشعر والشعراء : 410 . ( 5 ) الأرطى : نوع من الشجر ؛ أبرداه : ظله وفيئه ، الجوازىء : التي جزأت بالرطب عن الماء ، العين : ذوات الأعين النجل ، يصف بقر وحش جزأت بالرطب عن الماء .