ابن خلكان
64
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وراء النهر في موضع بينه وبين بخارى مسافة عشرين فرسخا ، وهم أتراك « 1 » ، وكانوا عددا يجل عن الحصر والإحصاء ، وكانوا لا يدخلون تحت طاعة سلطان ، وإذا قصدهم جمع لا طاقة لهم به دخلوا المفاوز وتحصنوا بالرمال فلا يصل إليهم أحد ، فلما عبر السلطان محمود بن سبكتكين إلى ما وراء النهر - وكان سلطان خراسان وغزنة وتلك النواحي وسيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى - وجد « 2 » زعيم بني سلجوق قوي الشوكة كثير العدة ، يتصرف في أمره على المخاتلة والمراوغة وينتقل من أرض إلى غيرها ويغير في أثناء ذلك على تلك البلاد ، فاستماله وجذبه ، ولم يزل يخدعه حتى أقدمه إليه ، فأمسكه وحمله إلى بعض القلاع واعتقله « 3 » ، وخرج في إعمال الحيلة في تدبير أمر أصحابه ، واستشار أعيان دولته في شأنهم ، فمنهم من أشار بإغراقهم في نهر جيحون ، وأشار آخرون بقطع إبهام كل رجل منهم ليتعذر عليهم الرمي والعمل بالسلاح ، واختلفت الآراء في ذلك ، وآخر ما وقع الاتفاق عليه أن يعبر بهم جيحون إلى أرض خراسان ويفرقهم في النواحي ، ويضع عليهم الخراج ، ففعل ذلك ، فدخلوا في الطاعة واستقاموا ، وأقاموا على تلك الحالة مدة ، فطمع فيهم العمال وظلموهم وامتدت إليهم أيدي الناس وتهضموا جانبهم وأخذوا من أموالهم ومواشيهم ، فانفصل منهم ألفا بيت ، ومضوا إلى بلاد كرمان ، وملكها يومئذ الأمير أبو الفوارس ابن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه ، فأقبل عليهم وخلع على وجوههم ، وعزم على استخدامهم فلم يستتموا عشرة أيام حتى مات أبو الفوارس ، وخافوا من الدّيلم ، وهم أهل ذلك الإقليم ، فبادروا إلى قصد أصبهان ونزلوا بظاهرها ، وصاحبها علاء الدولة أبو جعفر بن كاكويه ، فرغب في استخدامهم ، فكتب إليه السلطان محمود يأمره بالإيقاع بهم ونهبهم ، فتواقعوا
--> ( 1 ) وهم أتراك : سقطت من أكثر النسخ . ( 2 ) اختلف النص هنا في مج ، إذ جاء فيه : « فمر على أحياء هذه القبيلة وخركاواتها فاستكثر حاشيتها واستعظم ماشيتها وتخوف معرتها وخشي مضرتها ، فاستدعى مقدمها واستماله ولم يزل يخدعه حتى أقدمه عليه وأمسكه وحمله . ( 3 ) واعتقله : سقطت من ق ر ن بر من .